04 , أبريل 2026

القطيف اليوم

إليك بُني.. “10"

في نسج كلمات

لم أجده ذات يوم إلا مُتأملًا، ومُنْشغلًا بالتفكير، وكأنه قد خلق في داخله مُجتمعًا آخر، يلجأ إليه بين الوقت؛ ليصنع منه لا وقتًا بحكم المقاييس الطبيعية في الحياة، فالمسافة التي أرادها، هي التي تجعله، كعينيه، وهي تُعانق رمشيها.

هذه الحالة أصبحت تُلازمه يوميًا، بل لا تخلو ساعة دون أن يلتف على ذاته، ويتعمق فيها، ويُصغي إلى حديثها، المُفعم بلا صوت، بلا كلمات.

كنت أتعجب مرارًا من فعله المُعاكس إلى الإساءة التي يتعرض لها، أو سوء الظن الذي يُعاني منه، أو كل ما يشي بعدم الاحترام والتقدير، وفي أقله، كل ما ينم عن مُشكلة في الأخلاق.

كان يصمت، وهذا يعتمد على نوعية الأمر الذي تعرض له. أحيانًا يصمت لحظات، ثم يُبادر إلى مُعالجة ذلك، حرفيًا كما يُملي عليه عقله، وما تنتجه عاطفته اتجاه ذلك، وفي أحيان أخرى، يكون الصمت طويلًا، قد يتعدى الأيام إلى سنوات، وكأنه لم تربطه علاقة به، أو بهما، أو بهم.

بُني..

لقد أدركت في الوهلة الأولى من التفكر، أن تعامله في العلاقات الاجتماعية، بأنه الخطأ بعينه، فكيف تكون هذه العلاقات كالسراب، تذروها الرياح في لحظة ما، فلا تُبصرها.

مع الأيام، والتنوع في العلاقات الاجتماعية، حقًا، فقد التمست له العُذر، وليس العذر فقط، ولكن أبصم بالعشرة على ذلك. فعندما تفقد هذه العلاقات جوهرها الإنساني والأخلاقي، فإن الفراق الطويل هو الحل، وهو الدواء الذي يشفيك من كل داء، قد يأتيك في قادم الأيام.

بُني..

لا تبتئس إن قدّمت خيرًا لأحد ما، ويُجافيك، ولا يُبادلك هذه العلاقة الفعلية التي تُوليه إياها. ليكن ما تُقدمه من الخير، ترجو به وجه الله سبحانه وتعالى؛ لتجعل مما تُقدمه أن يُبلسم أنفاس رُوحك، أن تتلذذ بخدمة الآخرين، أن تكون بلسمًا لكل من يحتاج إليك. فإن خدمة الآخرين شيء كبير، يُشرفك، ويرفع من قدرك تجاه ذاتك وعقلك وفكرك، وستدّخره إلى يوم أنت بأمس الحاجة إليه من الآن.

دع من يُسيء لك إلى الأيام، هي الكفيلة بأن تُخبره بالألم الذي سبّبه للآخرين بطريقتها؛ لينعم هو ببعض وقت في ذلك.

بُني..

قد تستغرب من حديثي الدائم معك عن العلاقات مع الآخرين؛ لتجدني أركز كثيرًا عليها، وأنت بفطرتك السليمة، والبراءة التي تُعانق مراحلك العمرية الطرية. ولكن عندما تكبر، ستعلم بأني أنصفتك، ومنحتك ما يكون بمثابة العُكاز الذي تتكئ عليه، وعلى أقل تقدير، ستقول: كان أبي قد أخبرني بذلك في نسج كلمات، سابقًا.

إن عدو الإنسان جهله، لهذا هناك اختلاف بين نظرة هذا وذاك، وهذا الاختلاف يعتمد على مدى الجهل من جهة، ومن أخراها مدى المعرفة.

وما بينهما، يكمن الغرور والتكبر، فهما صفتان مذمومتان، مُحطّمتان للإنسان من داخله، فابتعد عنهما ابتعادك عن حيوانٍ مُترس.

بُني..

لا تُغْرِك المظاهر؛ ليكن جوهر الإنسان هو القيمة التي تبحث عنها، ولا تحزن إن كنت وحدك، فالوحدة أجمل من العيش مع رفاق ظاهرهم مُعطّر بالفل والياسمين، وداخلهم مُنفر.

اسمح لي بُني..

دائمًا أحكي لك عن صاحبي، وأنت لا تسألني عن اسمه، وعنوانه، أَيَكون حيًا، يُمارس الحياة كأنفُسِنا، أو أُسدل عليه التراب ميتًا، وأنا أُحاكيه؛ لأروي قصصه عليك، حكواتي من زمنٍ كان ماضيًا، ساعيًا إلى جعله مُضارعًا بين كفّيك.

صاحبي هذا، كوميض، أراه يأتيني ذات غفلة من اليقظة، يُشاغبني بأبجديته، لذا لا تسألني عنه -كما كنت-، فإنه كظلي، فليس لي جواب.

خُذ من الحكايات ما يُفيدك؛ لتستقيم في هذه الدنيا..



error: المحتوي محمي