04 , أبريل 2026

القطيف اليوم

بعد فوات الأوان

هناك لحظات لا نكتبها عن الفقد، بل نكتبها عن الغياب الذي يحدث… ونحن نظنّ أن كل شيء باقٍ.

نمضي في الحياة كمن يمرّ بالضوء مغمضًا، لا لأننا لا نُبصر، بل لأننا لا نُريد أن نرى. نعيش على هامش اللحظة، نتعامل مع الوجوه التي نحبّها كأنها باقيةٌ بحكم العادة، لا بحكم المعجزة. نؤجل الكلمة التي كان يمكن أن تُنقذ، ونُخفِي النظرة التي، لو قيلت في وقتها، لربما أنقذت قلبًا من الانطفاء. نختصر مشاعرنا في ابتسامات عابرة، ونُسلّم بأن الحبّ مفهوم، لا حاجة له في كل مرة أن يُقال.

نؤمن خفيةً أن الوقت يُمهلنا، وأن من نحبهم يعرفون… لكنّ الحياة لا تنتظر. لا تمنحنا دومًا فرصة ثانية لنفعل ما تهاونا في التعبير عنه، ولا تُنذرنا قبل أن تغيب. نكتشف متأخرين أن الذين كانوا النور في أيامنا قد مرّوا خفافًا، دون أن نُمسك بهم كما يليق، دون أن نراهم حقًا.

نُجيد الحبّ بعد فوات الأوان. نكتبه في الرثاء، ونُبكيه في الجنازات، ونُتقنه حين لا تعود الكلمة تسمع، ولا النظرة تُرد. نُحسن التأبين أكثر من الحضور. نحترف الندم لا لأنه نافع، بل لأنه المتاح حين يفوت أوان الصدق. نصحو بعد الغياب على نبرة صوت، أو مقطع رسالة، أو ابتسامة في ذاكرة صورة، فنشعر أن كل ما لم نفعله أصبح فجوة لن تملأها الكلمات.

الدموع الصادقة لا تسكن أعين المجاملات، بل تنفجر حين تُغلق الحياة بابها على من كان لنا طمأنينة ولم نكن نعلم. والدعاء الحقيقي لا يُقال في منشور، بل يُهمس في ردهات المستشفيات، حين يصبح نبض الأحبّة معلقًا بين احتمالات الرحمة والخسارة. وقتها فقط، تُخلع الأقنعة، ويتكشّف الوجه الذي طالما خبأناه تحت التردّد.

أحيانًا، لا نُبصر جوهر الآخر إلا بعد غيابه. لا نعرف كم رمّمنا وجوده بصمته، وكم خفف عنّا دون أن يقول. نُعيد ترتيب التفاصيل، لا لنعيدهم، بل لنُخفف من ألم ما لم ننتبه إليه ونحن نعيشه.

ما أشدّ فقرنا إلى الانتباه ونحن نملك من نحب… نتعامل مع حضورهم كأنه مُكتمِلٌ على الدوام، كأنّ صوتهم لن يبهت، وملامحهم لن تغيب. نؤجّل البوح، ونؤمن وهمًا أن في العمر متّسعًا لكل ما لم يُقل. لكن الحقيقة الأعمق ليست في الغياب، بل في ما لا نراه ونحن نعيشه.

الحبّ لا يحتاج موتًا ليُفصح، بل لحظةً واحدة من صدقٍ لا ينتظر الفقد كي يتكشّف. فمن لا نراه وهو حيّ، لن نُدركه حين يُصبح ظلًّا. وما لا نُمسكه الآن… قد لا تمنحنا الأيام فرصة ثانية لاحتضانه.

فلنُضيء شمعةً في قلب من نُحب، لا خوفًا من الغياب، بل امتنانًا للحضور. لأن بعض الشموع لا تُضاء إلا مرة، وبعض القلوب… لا تنتظر.


من أراد أن يحبّ… فليبدأ الآن.


error: المحتوي محمي