02 , أبريل 2026

القطيف اليوم

مفاجأة غير سارة.. الجزء الثالث

شعر حاتم بفيضان من الراحة يغمر قلبه، مع شاعرية المكان التي تتنفس السكينة والهدوء. كانت همسات الموسيقى الناعمة ،  تتسلل من السماعات المخفية في أسقف الردهة الكبيرة ،مثل نسمات ربيعية منعشة، محدثةً أثرًا هادئًا في نفسه. بدت بوادر الأمل والرجاء تلوح في الأفق، مثل  شعاع شمس مشرقة بعد ليلة مظلمة، ولم يشعر حاتم بهذا الشعور الجميل طيلة الأشهر الماضية. تساءل إن كانت هذه المشاعر التي حلت ضيفًا رحيمًا في قلبه نابعة من ثقته بصديق يأمل منه خيرًا وفيرًا.

يتمتع حاتم ببراءة وصفاء نفس مثل العسل النقي، تجعله متصالحًا مع ذاته، ويميل في علاقاته القليلة إلى أصدقاء  ودودين يشبهونه، حيث تملأ الألفة والتسلية البريئة حياتهم، وتجمعهم نقاشات اجتماعية وثقافية تفيض بالحياة والإبداع. يضاف إلى ذلك اهتمامات رياضية في مواسم المباريات، حيث يجد نفسه في جو من المرح والتشويق، وتتألق روحه بالحيوية والنشاط. وهاهو يأمل أن يكون إبراهيم كما عهده سابقًا، طاهرًا نقيا مثل ينبوعا من الماء الصافي، مريحًا في حياته، معطاءً بسخاء وصدق، يحمل في قلبه.

-على العشاء قال إبراهيم: أرجو أن تحدثني عن نفسك، وعائلتك، صار لنا قرابة العشرين عامًا لم نلتق، أراك بصحة جيدة، وهمة ونشاط، كما أن لباس القميص والبنطلون يليق عليك، ويكسبك الفتوة. 

-رد حاتم وهو يحتفظ بابتسامة عريضة بالقول؛ أطل علينا الشتاء هذا العام في وقت مبكر، ها نحن في بدايات شهر نوفمبر، والأجواء كأنها شتاء، في هذا الوقت عادة ألبس هذا النوع من اللباس، وهي تتيح لي حرية الحركة بيسر وسهولة.
-فرد عليه إبراهيم بطريقته :أنا أميل إلى لباس الشماغ والثوب وكامل الهيئة العربية، بسبب ظروف علاقاتي، وعملي في العقار، والمشاريع الاستثمارية،لا يكون لائقا إلا اللباس الوطني!

على الرغم من أن حاتم لاحظ بعض التعالي والترفع في حديث إبراهيم، مثل نبرة صوت عالية وتصريحات متغطرسة، إلا أنه حاول ألا تشغل باله تلك النبرات، فقد تكون صفة ملازمة لحديثه أو مجرد استعراض وتباهي لينسجم مع مكانته الاجتماعية الجديدة، التي ربما كانت تفرض عليه أن يكون على مستوى معين من التميز. فقال حاتم وكأنه يرغب في تأكيد أصالته ولكن دون تعمد أو استفزاز حينما قال والابتسامه لازالت معلقة بين شفتيه :

-أنا كما الوالد من بيئة عمالية، اللهم إنني درست وتخرجت، والآن أعمل في إحدى شركات سابك، وقد تعودت هذا اللباس الذي يشعرني بحرية الحركة .

-هذا طيب، البلد بحاجة إلى أمثالكم، أتذكر والدك كان يقول لنا (العمال هم من يصنعون الحياة)

-ابتسم حاتم، وقال بإيجاز: رحم الله والدينا يا إبراهيم. الوالد كان يعمل في شركة أرامكو ومن الفنيين الأوائل في ورشة إصلاح المعدات الثقيلة، كان فخورًا بمهنته وإنجازاته، وكان قارئا نهما، كان يستخدم في حديثه مصطلحات بعيدة عن فهمنا! كنا نتهامس نحن الإخوة في حيرة محاولين اقتناص كلماته دون جدوى.

- فعلق إبراهيم بالقول ؛ رحمة الله على والدينا، عاشا في زمن الشعارات الرنانة، التي لا تطعمنا خبزًا، ولا تقدمنا خطوة واحدة إلى الأمام! . دعنا نعود يا صديقي إلى ما وددت قوله قبل العشاء، ماذا تحمل من أخبار؟

-لم يشأ حاتم التعليق، ولم يحضر إلى هنا ليثير نقاشات جانبية، قد تفسد عليه الغرض الذي جاء من أجله، ولكنه لاحظ تغيرات كبرى جرت لصديقه إبراهيم، فقد كان في ريعان شبابه هادئا، ليّن الطباع، قليلًا ما كان يتحدث في مواضيع اجتماعية، وكان نحيفا، متوسط القامة، أما الآن فكل شيء قد تغير، حتى وجهه أصبح ممتلئًا، وحديثه مسترسلًا، وأصبح لصوته رنّة مميزة.

أيقظت تلك التأملات حاتم فقال: حسنا يا أخي إبراهيم، منذ عدة شهور صادفت صديقنا القديم (التاجر) وهو في حالة صعبة، واندهشت مما وجدته عليه!

-قص عليه تفاصيل الوضع الصعب الذي وصل إليه التاجر وأبناؤه، وكان يحدثه بمشاعر فياضة وأحاسيس مرهفة، دون تكلف أو انفعال.

-فأجابه ابراهيم وقد بدا متحفزًا:
-قد تتفاجأ بما سأخبرك به يا حاتم، وطالما جئت على ذكره، فأرجو الاستماع.

-قال: مرت سنوات طويلة منذ آخر لقاء بيننا، رغم أننا كنا أصدقاء مقرّبين كما تعلم، ولكن كان وراء هذه القطيعة قصةً لابد من قولها.

-قال حاتم: أكيد بودي سماعها
-كان التاجر من الرواد الأوائل في السفر إلى دول شرق آسيا، وأقنعني بمرافقته في رحلاته، وكان حينها يعتبر نفسه في ذلك الزمن خبيرًا في شؤون تلك المجتمعات، كانت الأيام تمضي جميلةً، وكانت فترة الطفرة التي أمطرت علينا بسخائها أموالا طائلة، استثمرناها في بعض الصفقات العقارية، كما أننا وسّعنا تجارتنا خارج منطقتنا، وكان النجاح حليفنا.

-سكت قليلا ليسترد هدوءه، ثم استأنف حديثه: هنا بالطبع لا يسعني ذكر كل التفاصيل، ولكن هذا حديث طويل قد يستمر حتى مطلع الفجر، المهم كان صديقنا يكسب ويبدد كل ما كسبه على موائد البذخ و المظاهر البراقة، فكان العديد من الانتهازيين يستغلون ثراءه وكرمه اللامحدود، وكان يواصل الليل والنهار في ملذات تتجاوز قدراته المالية.

-أضاف إبراهيم: أنا لا أبرئ نفسي من الانزلاق وراء الشهوات، ولكنني كنت أكثر حكمةً منه، حاولت تنبيهه لمخاطر ما يفعله دون تجاوب. مضت علاقتي معه على ذلك الحال لسنوات، أقدم له النصح والمشورة أحيانا وفي غالب الاحيان أتجاهل أفعاله، حتى بدأ رصيده المالي يتناقص، وكان يضطر إلى بيع قطع أراض مهمة، بمبالغ زهيدة، حتى يشبع رغباته، ومن ضمن تلك الأراضي التي باعها بسعر زهيد هذه الأرض التي بنيت عليها هذه الفلة الكبيرة، وصار يبيع قطعا أخرى دون علمي، ونشبت بيننا خلافات عديدة،كنت أنوي شراء كل ما يود بيعه بسعر مناسب، ولكنه كان متهوراً جدا، حتى أن البستان الذي تعمل به زوجته الآن كان ينوي بيعه، لولا أنها أعطته كل ما جمعته من إرث والدها، وحوّلت البستان باسمها، وموضوع البستان موضوع طويل لا مجال للحديث عنه الآن!

-منذ ذلك الوقت بدأت علاقتنا بالانحدار، اتهمني بأنني خدعته في ثمن الارض، و حاول تشويه سمعتي، لذلك تركته يسبح في فقره، فلا يمكن إصلاح سفينة دمرها قائدها بنفسه، فهل أدركت موقفي يا حاتم ؟ نحن الآن يا صديقي في زمن العقل، وزمن الواقعية، إذا أردت أن تكون مصلحاً، فستنتهي حياتك بائساً مثلهم! وستضيع زهرة حياتك باحثاً عن مخرج لهؤلاء الميؤوس منهم.

-قلت لي يا صديقي إبراهيم أن زوجته تعمل في البستان الذي اشترته من زوجها.
-نعم، وهو يعمل معها كما علمت من بعض المعارف، وكذلك يساعدهم أبناؤهم في جمع المحاصيل.
-اخشى أن لا يكون مدخول المزرعة كافيا لمعيشتهم! لقد رأيت الفقر والبؤس ليس في ملابسهم وحسب، بل في وجوههم الذابلة ايضا.
-قال إبراهيم وعلامات الخبث ظاهرة على عينيه: سألت ذات مرة أخ زوجة التاجر عن هذه النقطة بالذات، وقال لي إن الضمان الاجتماعي يقدم لهم راتبًا شهريًا.
-وهل تعتقد أن ذلك المبلغ الضئيل يكفيهم ؟
-لا علم لي بذلك يا حاتم، لكني أرسلت لهم ذات رمضان مؤنة الشهر، ورفضها مدعيا أنني سبب الحالة التي وصل إليها .
-ما لذي دفعه إلى اتهامك بعد أن كان أقرب المقربين إليك ؟
-لعله يبرر فشله، الفرق بيني وبينه أنني كنت أشطر منه في التجارة، وفي اقتناص الفرص! حتى أصبحت علاقاتي مع نخبة التجار الكبار أقرب منه.

-عندما رأى حاتم مسار الحديث باتجاه كيل الاتهامات للتاجر وأفعاله، ولم يعد هناك مخرج منه، اعتذر له عما جرى من حديث، وشكره على كرم الضيافة وحرارة اللقاء، بعدها عادت ابتسامة إبراهيم تتربع صفحة وجهه الذي عاد مشرقًا، طالبًا من حاتم معاودة الاتصال، فهناك مشروع أراضي قادم ينصحه بالاستثمار فيه.

-قال حاتم مجاملاً: أعدك بالاتصال في أقرب فرصة سانحة يا إبراهيم.
-كانت الأجواء منعشة وجميلة أثناء مرافقته عبر الحديقة إلى بوابة البيت،وكانت بعض الممازحات الكلاميّة تقال على سبيل الدعابة، حينها سأل حاتم مضيفه، وهو يربت على كتفه بلطف: هل أنت جاد يا إبراهيم في كلامك عندما قلت: عندما أرغب في الإصلاح ستنتهي حياتي مثلهم ؟ ثم أضاف قبل أن يستمع إلى الجواب، ما فائدتنا إذا إلى لم نمد يد العون إلىالمحتاجين؟

-لم أقل أن لا نمد يد العون إلى المحتاجين الحقيقيين، إلى الذين يتطلعون إلى مستقبل مزدهر، إلى المتفائلين، لا إلى اللئيمين، والمتهورين والمحبطين!

-أفهم ما تعنيه يا إبراهيم، نلتقي على خير، قالها على سبيل المجاملة، بينما كانت الحيرة تتزايد في داخله وتجعل أفكاره تبدو أكثر تعقيدًا.

-يتبع القصة إلى الجزء الرابع


error: المحتوي محمي