غادر حاتم مبنى المستشفى حاملاً أدويته، وكانت الأفكار تطارده، وخيالات متداخلة تربك خطواته، لم ينتبه إلى من حوّله، ربما صادف الكثيرين من المعارف دون أن يلحظهم، وربما تجاهل تحياتهم دون قصد، حتى أنه تجاهل شتيمة سددها له أحد قليلي الأدب، حينما داس على طرف ثوبه بالخطأ!
فلم يشغل باله إلا منظر ذلك الصديق وهو في هيئته الرثة، وأبنائه الفقراء، وحالة زوجته البائسة، متسائلًا بينه وبين نفسه عن مصدر معيشتهم، وهل كانوا يعتمدون على منحة الضمان الاجتماعي ليعيشوا؟ وهل هي كافية لسد رمقهم؟ وماذا عن المتطلبات الأخرى غير المأكل والمشرب؟ ماذا عن فواتير الكهرباء والماء والهاتف؟
ماذا وماذا؟ أسئلة تتراكم دون أن تجد لها أي جواب مقنع.
تساؤلات تدفع بتساؤلات أخرى كثيرة، حتى أصابته بنوع من الذهول كاد أن يرقى به إلى الغثيان، ويعتلي إلى حلقومه المأزوم، وفضّل أن يتريث، وألا يقود سيارته وهو في تلك الحالة من تشوش الأفكار، فضميره يضغط عليه للقيام بعمل ما لمساعدة ذلك الصديق وأسرته.
ولكن كيف يساعده؟ ما هي الطريقة المناسبة التي يمكنه بها القيام بذلك؟ وما هو مقدار المساعدة؟ فحاتم في نهاية المطاف موظف بدخل شهري محدود، وله أسرة وأبناء ووالدة كبيرة في العمر يرعاها، والتزامات بنكية، ورغم ذلك لا بد من إيجاد طريقة للمساعدة، ولو بالحد الأدنى!
ظل في تلك الحلقة المفرغة من الطحن الفكري حتى شعر بأنه جزء من زوار المستشفى الدائمين، وعندما أفاق من التيهان، واستعاد وعيه، أدرك أنه يتوجب عليه مغادرة المكان والانطلاق للعودة إلى منزله.
مضت أيام، ثم طالت إلى شهور، وهو يبحث عن حل لمشكلة صديقه وعائلته، وكانت الهواجس تطارده باستمرار بشأن صحة صديقه التاجر، فبعد ذلك المنظر من الإغماء، ورؤية وجهه الشاحب، والبؤس المستوطن تقاطيع وجهه، وحالة اليأس التي كانت تسيطر عليه، هي أكثر ما كان يقلقه، خصوصًا عندما ودّعه بجملة (في أمان الله) التي قالها بطريقة توحي باستسلام مطلق للمصير المحتوم، تلك العبارة التي قالها مودعًا، وقد خلت حينها تعابير وجهه من أي معنى.
حينها قال حاتم في قرارة نفسه: (حتماً سنلتقي مجددًا إن أبقانا الله).
فكر في صديق اسمه إبراهيم، كان يلتقيه مع (التاجر)، إلا أنه لم يلتقِ به أيضًا لسنوات طويلة جدًا، فكر في طريقة للوصول إليه والاستيضاح منه عن بعض الأمور التي تشغل باله، لاسيما وأن لإبراهيم علاقة بالتاجر أقوى منه، حيث تجمعهما الكثير من المشتركات والهوايات.
اتصل به هاتفيًا بعد أن أخذ رقمه من دليل الهاتف، وحدد موعدًا دون أن يخبره بهدف الزيارة. وعندما وصل إلى عنوان المنزل، أُبهر حجمه الكبير ومساحة أرضه الواسعة، حديقته الغناء كبيرة، منسقة جوانبها بعناية، مليئة بأنواع عديدة من الأشجار. في فنائها الجانبي مجموعة من السيارات الحديثة، قد يصل عددها إلى نحو ستة.
استقبله صديقه القديم بابتسامة واسعة، وبحفاوة بالغة، وكان يحدثه بأسلوب الأثرياء حديثي النعمة، مستخدمًا جملاً منتقاة بعناية، مرددًا بعضًا من الشعر النبطي في حفاوة الضيف. قاده إلى مجلس كبير، مليء بالأثاث والأرائك المخملية، ولوحات زيتية زينت جدران المجلس، وأضافت الإضاءات الجانبية سحرًا جميلًا على زواياه.
أدهشته الإطارات الجبسية بنقوشاتها المغربية الطابع، وكان حاتم طوال الوقت يتأمل فتنة المكان، خصوصًا الجهة المقابلة لمقعده، حيث أطلّت نافذة واسعة على الحديقة وجزء من مسبح مليء بالمياه الزرقاء، وزان المنظر بهجة حوض الأسماك الكبير الملاصق للنافذة، حتى ليتخيل للناظر الاندماج الفني وكأن الأسماك تسبح في الحوض والمسبح في آنٍ معًا.
كان يطيل التأمل في كل شيء وقعت عيناه عليه، مستغلًا انشغال صاحبه في الذهاب والإياب، حاملاً معه جوّالًا مذهّبًا، متحدثًا مع شخص آخر عن صفقات تجارية.
انشغل بعدها إبراهيم في القيام ببعض أموره وكذلك الإشراف على تحضيرات الضيافة، وبذلك اطمأن حاتم لإمكانية نجاح مهمته، فهذا الصديق المقتدر لا بد وأن تكون الحلول السحرية على يديه، ولن يتخلى عن الصديق التاجر في ظروفه الصعبة التي يمر بها، لاسيما أن التاجر كان رجلًا كريمًا مع أصدقائه بدرجة عالية، كما أنه كان يحب الخير ومساعدة الناس، ويقدّم العون لمن يحتاجه من الأصدقاء، وقد أغدق على صديقه إبراهيم بالكثير من العطايا الخيرية عندما كان والده في عوز مالي.
لذلك من باب رد المعروف، يُفترض أن يسعى إبراهيم بكل ما يمكنه خدمة للصديق التاجر.
بعد أن انتهى الصديق (إبراهيم) من مهماته، دارت أحاديث ودّية بينهما، وتطرقا إلى حكايات زمان، وشقاوة الصبا، وأخبار المعارف. عندها انتهز حاتم المناسبة وسأله عن الصديق:
• هل تقصد صديقنا (التاجر)؟
• نعم، هو ما قصدت، صديقنا أيام الشباب.
قال إبراهيم: صار لي فترة من الزمن لم ألتقِ به، فهل تقابلت معه مؤخرًا؟
• نعم، بودي أن أقص عليك حكاية عنه إن أمكن.
• بعد الإذن منك، أفضل الاستماع إلى حكايتك بكل إصغاء بعد أن نتناول العشاء، ويحين وقت شرب الشاي، أرجو أن توافقني.
• لماذا كلفة العشاء يا صاحبي، جئت لأتحدث معك، لقد مضى وقت طويل على لقائنا.
• هذا صحيح، أُثمن لك هذه المبادرة يا حاتم، وأنا سعيد بوجودك في منزلي، ولا بد من القيام بواجب الضيافة.
• كما تحب يا أخي إبراهيم.
(يتبع…)
• يتبع القصة إلى الجزء الثالث
فلم يشغل باله إلا منظر ذلك الصديق وهو في هيئته الرثة، وأبنائه الفقراء، وحالة زوجته البائسة، متسائلًا بينه وبين نفسه عن مصدر معيشتهم، وهل كانوا يعتمدون على منحة الضمان الاجتماعي ليعيشوا؟ وهل هي كافية لسد رمقهم؟ وماذا عن المتطلبات الأخرى غير المأكل والمشرب؟ ماذا عن فواتير الكهرباء والماء والهاتف؟
ماذا وماذا؟ أسئلة تتراكم دون أن تجد لها أي جواب مقنع.
تساؤلات تدفع بتساؤلات أخرى كثيرة، حتى أصابته بنوع من الذهول كاد أن يرقى به إلى الغثيان، ويعتلي إلى حلقومه المأزوم، وفضّل أن يتريث، وألا يقود سيارته وهو في تلك الحالة من تشوش الأفكار، فضميره يضغط عليه للقيام بعمل ما لمساعدة ذلك الصديق وأسرته.
ولكن كيف يساعده؟ ما هي الطريقة المناسبة التي يمكنه بها القيام بذلك؟ وما هو مقدار المساعدة؟ فحاتم في نهاية المطاف موظف بدخل شهري محدود، وله أسرة وأبناء ووالدة كبيرة في العمر يرعاها، والتزامات بنكية، ورغم ذلك لا بد من إيجاد طريقة للمساعدة، ولو بالحد الأدنى!
ظل في تلك الحلقة المفرغة من الطحن الفكري حتى شعر بأنه جزء من زوار المستشفى الدائمين، وعندما أفاق من التيهان، واستعاد وعيه، أدرك أنه يتوجب عليه مغادرة المكان والانطلاق للعودة إلى منزله.
مضت أيام، ثم طالت إلى شهور، وهو يبحث عن حل لمشكلة صديقه وعائلته، وكانت الهواجس تطارده باستمرار بشأن صحة صديقه التاجر، فبعد ذلك المنظر من الإغماء، ورؤية وجهه الشاحب، والبؤس المستوطن تقاطيع وجهه، وحالة اليأس التي كانت تسيطر عليه، هي أكثر ما كان يقلقه، خصوصًا عندما ودّعه بجملة (في أمان الله) التي قالها بطريقة توحي باستسلام مطلق للمصير المحتوم، تلك العبارة التي قالها مودعًا، وقد خلت حينها تعابير وجهه من أي معنى.
حينها قال حاتم في قرارة نفسه: (حتماً سنلتقي مجددًا إن أبقانا الله).
فكر في صديق اسمه إبراهيم، كان يلتقيه مع (التاجر)، إلا أنه لم يلتقِ به أيضًا لسنوات طويلة جدًا، فكر في طريقة للوصول إليه والاستيضاح منه عن بعض الأمور التي تشغل باله، لاسيما وأن لإبراهيم علاقة بالتاجر أقوى منه، حيث تجمعهما الكثير من المشتركات والهوايات.
اتصل به هاتفيًا بعد أن أخذ رقمه من دليل الهاتف، وحدد موعدًا دون أن يخبره بهدف الزيارة. وعندما وصل إلى عنوان المنزل، أُبهر حجمه الكبير ومساحة أرضه الواسعة، حديقته الغناء كبيرة، منسقة جوانبها بعناية، مليئة بأنواع عديدة من الأشجار. في فنائها الجانبي مجموعة من السيارات الحديثة، قد يصل عددها إلى نحو ستة.
استقبله صديقه القديم بابتسامة واسعة، وبحفاوة بالغة، وكان يحدثه بأسلوب الأثرياء حديثي النعمة، مستخدمًا جملاً منتقاة بعناية، مرددًا بعضًا من الشعر النبطي في حفاوة الضيف. قاده إلى مجلس كبير، مليء بالأثاث والأرائك المخملية، ولوحات زيتية زينت جدران المجلس، وأضافت الإضاءات الجانبية سحرًا جميلًا على زواياه.
أدهشته الإطارات الجبسية بنقوشاتها المغربية الطابع، وكان حاتم طوال الوقت يتأمل فتنة المكان، خصوصًا الجهة المقابلة لمقعده، حيث أطلّت نافذة واسعة على الحديقة وجزء من مسبح مليء بالمياه الزرقاء، وزان المنظر بهجة حوض الأسماك الكبير الملاصق للنافذة، حتى ليتخيل للناظر الاندماج الفني وكأن الأسماك تسبح في الحوض والمسبح في آنٍ معًا.
كان يطيل التأمل في كل شيء وقعت عيناه عليه، مستغلًا انشغال صاحبه في الذهاب والإياب، حاملاً معه جوّالًا مذهّبًا، متحدثًا مع شخص آخر عن صفقات تجارية.
انشغل بعدها إبراهيم في القيام ببعض أموره وكذلك الإشراف على تحضيرات الضيافة، وبذلك اطمأن حاتم لإمكانية نجاح مهمته، فهذا الصديق المقتدر لا بد وأن تكون الحلول السحرية على يديه، ولن يتخلى عن الصديق التاجر في ظروفه الصعبة التي يمر بها، لاسيما أن التاجر كان رجلًا كريمًا مع أصدقائه بدرجة عالية، كما أنه كان يحب الخير ومساعدة الناس، ويقدّم العون لمن يحتاجه من الأصدقاء، وقد أغدق على صديقه إبراهيم بالكثير من العطايا الخيرية عندما كان والده في عوز مالي.
لذلك من باب رد المعروف، يُفترض أن يسعى إبراهيم بكل ما يمكنه خدمة للصديق التاجر.
بعد أن انتهى الصديق (إبراهيم) من مهماته، دارت أحاديث ودّية بينهما، وتطرقا إلى حكايات زمان، وشقاوة الصبا، وأخبار المعارف. عندها انتهز حاتم المناسبة وسأله عن الصديق:
• هل تقصد صديقنا (التاجر)؟
• نعم، هو ما قصدت، صديقنا أيام الشباب.
قال إبراهيم: صار لي فترة من الزمن لم ألتقِ به، فهل تقابلت معه مؤخرًا؟
• نعم، بودي أن أقص عليك حكاية عنه إن أمكن.
• بعد الإذن منك، أفضل الاستماع إلى حكايتك بكل إصغاء بعد أن نتناول العشاء، ويحين وقت شرب الشاي، أرجو أن توافقني.
• لماذا كلفة العشاء يا صاحبي، جئت لأتحدث معك، لقد مضى وقت طويل على لقائنا.
• هذا صحيح، أُثمن لك هذه المبادرة يا حاتم، وأنا سعيد بوجودك في منزلي، ولا بد من القيام بواجب الضيافة.
• كما تحب يا أخي إبراهيم.
(يتبع…)
• يتبع القصة إلى الجزء الثالث


