الأكيد أن ذاكرتي تحتاج إلى ترميم لكي أستعيد شيئًا قد مضى عليه قرابة النصف قرن، حين سمعتها من الراوي، ولكن لا بأس، أن أحك صدأ الذاكرة وأستجمع شتاتها.
القصة القطيفية اسمها (رأس الديك الأقرع)، ترويها الأمهات للأبناء والأحفاد.
أخذت من القصة الفكرة فقط، ولكن نسيجها، والحبكة من بنات أفكاري.
يقول الراوي:
كان يا ما كان في سالف العصر والأوان، كانت تعيش في إحدى البلدات امرأة لطيفة المعشر، حنونة على أهلها وجيرانها، دائمة الابتسامة، بشوشة المنظر، ولكنها في نفس الوقت، حزينة العينين، بائسة في حياتها الزوجية، فقد كان زوجها مضرب مثل في البخل، على نفسه وعلى عائلته وعلى جيرانه، مما جعل زوجته تعيش في ما يشبه الفقر والعوز، بالرغم من غنى زوجها، الذي كان يملك من المال الكثير، ومن الحيوانات الأليفة أعداد لا تُحصى، ولكنها لم تذق طعم لحمها إلا لمامًا.
لذلك تراها دائمًا تفيض عيناها بدموع الحسرة والبؤس والشقاء، فقد كان بخل زوجها لا يضاهيه أحد من شدة حبه للمال، فملبسه رث حتى إن الأطفال يصفونه بـ(الجلدة)، وبعضهم أطلق عليه اسم (الشحيح).
فمن شدة بخله كان ينكر وجود المال لديه، بينما يقضي من وقته الكثير يعدّ تلك النقود التي جمعها، ويبحث عن أماكن سرية يُخبئها فيها.
فغناه لم ينعكس على ملبسه، ولا مسكنه، ولا أكله. رغم ثرائه إلا أن الناس يعتبرونه من الفقراء المعدمين، خصوصًا عندما يروه في السوق يبتاع لأهله عظام البقر والكرشة بدلًا من اللحم، ويشتري أردأ أنواع الأكل.
ووصل الحال ببيته ليصبح زريبة لحيواناته، وأصبحت رائحته كريهة لا تُطاق.
وكان له مجموعة من الأولاد الذكور والإناث، ولكنهم جميعًا بحالة رثة، يتصدق عليهم المحسنون من الناس.
لم يحدث قط أن قام الزوج باستضافة أحد من الجيران، أو حتى من المقربين.
كان بخيلًا (حزج)، حتى القطط تأنف الدخول إلى بيتهم.
كانت الزوجة الطيبة والمرحة تشكو الحال البائس لجيرانها، ولأهلها، ومعارفها، الذين في الواقع كانوا يدركون الحال، ويتعاطفون معها، ويتحسسون آلامها باعتبارها امرأة نبيلة.
وكان أطفالها يشعرون بهذا البؤس ومرارة الحياة مع والدهم البخيل، فعندما يذهبون إلى نومهم يتشاكون الحال فيما بينهم، وكانت الأم تسمع حسرات قلوبهم، وتشعر بتأوهاتهم، وهم يتهامسون بالكلام:
“أولاد جيراننا يذهبون إلى (المعلم) يقرأون ويكتبون، وينعمون بالحياة، ووالدنا البخيل قد رهن كل أمواله لدى (الثعلب المكار) بحجة تشغيلها والمحافظة عليها، وتركنا في البؤس والشقاء، وفوق كل هذا، جعلنا محرومين حتى من الكلام وإبداء الرأي!”
قال أخوهم الصغير: “قلت لكم، والدنا بخيل وكريه، أنا لا أحبه، أهل الديرة كلهم يعيروننا ببخله!”
كانت الأم كل ليلة تسمع أنين أولادها، وتحتسب إلى الله أن يغيّر الحال، وتنتحب ليلًا، وتصلي الفجر متضرعة، لعل الله يغير حالها وحال أبنائها، ولكن الحال يزداد سوءًا وعذابًا ووجعًا، والشقاء يكبر، وبخل الزوج وصل مداه.
ظلّت الزوجة على هذا الحال لسنوات عديدة،
وفي يوم من الأيام، وبينما هي تفكر في حلول تخرجها من حالة البؤس هذه، قالت تحدث نفسها:
“يوم غد، يجب أن أستجمع قواي، وأن أخبره بأنني سأمت هذه العيشة المقرفة، أكثر من خمسة عشر سنة ولم يدخل بيتنا أحد، وأولادي يعيشون الفقر والمذلة وهم أغنياء. لا، لن تستمر الحياة معه على هذه الحال، لقد فاض بي الكيل. هذا محال. اللهم يا هادي، يا لطيف، اللطف بحالنا.”
قرأت كل الأدعية التي حفظتها عن ظهر قلب ولم يتغير لها حال.
“صبحك الله بالخير أبو جابر”، قالتها كما جرت العادة كل صباح وهي تمدّ إليه فطور الصباح الفقير: كسرة خبز يابسة وماء وقليل من اللبن.
وهذا الحال يتكرر كل صباح!
أجابها: “يا الله صباح خير وعافية، ما لي أرى التعب في وجهك؟ أين ذهب ذاك الجمال الذي كنتِ عليه أيام زواجنا؟”
ثم تابع حديثه بكل صلف وعنجهية: “ولكن هكذا أنتنّ معشر النساء، تكبرن بسرعة، وتشيخ قسمات وجوهكنّ كلما تقدم بكنّ العمر.”
قالت له: “وأنت، على ما يبدو، لم تنظر إلى المرآة منذ أن كنت شابًّا يافعًا، لأنك لا تملك مرايا في منزلك، لذلك عليك أن تسارع وتنظر إلى صورتك قبل أن تنسى شكلك أو تنطفئ من هذه الدنيا.”
قال: “ماذا تقولين يا امرأة؟”
قالت: “نعم، هذا ما أقوله لك، وأزيد: ستموت بأسرع مني إذا لم تدعُ أحدًا في هذا البيت للضيافة!
لقد رأيتك مرات عديدة في منامي وأنت تموت بسبب عدم استضافتك ولو ضيفًا واحدًا منذ زواجنا حتى الآن.”
علا الصراخ من الطرفين، وقالت له: “إذا لم تلبِّ طلبي، وتقم بدعوة الأهل والجيران لعزومة ولو متواضعة، فسأترك لك هذا البيت!”
وأردفت: “لقد امتلأ الحوش من الدجاج، والماعز الذي ربيتهم كأطفالك بيدي، وتعبت وسهرت، ولكن بخلك الذي زاد عن الحدود جلب لنا التعاسة والنحاسة. العيش معك يفطر القلب والكبد معًا، أصبحت العيشة معك لا تُحتمل.”
عندما رآها بهذه العصبية الحادة، وبجدية كلامها، قال لها:
“خلاص، اعزمي من تشائين، ولكن عندك الديك الكبير الأقرع، يمكن التضحية به، فهو أصبح عجوزًا، وعلى وشك الموت. لا بأس، اذبحِيه وأعزمي أهل الفريج.”
قالت له: “صار، واتفقنا، واذهب أنت إلى دكانك، وعند الظهر ارجع واستقبل الضيوف.”
ذهب البخيل إلى حيث يعمل، وهو يترنح، مقفهرًّا وجهه لما سيحصل لأحد حيواناته المدللة: الديك الأقرع.
بعد خروجه من المنزل، هرعت إلى جارهم (القصاب) وأخبرته بنيتها ذبح مجموعة من الديكة والماعز والبط.
مرت على بيوت الجيران والأقرباء وعزمت الجميع دون استثناء، وهيّأت أولادها لهذا الحدث العظيم.
جهّزت الزوجة القدور الكبيرة، وطلبت من صديقاتها إشعال المواقد، ومساعدتها في طبخ الولائم.
بدأت رائحة الحطب تصل إلى كل مكان في أرجاء الحارة، وبعد فترة، وصلت رائحة الشواء والطبيخ إلى أقصى البلدة، حتى وصلت إلى دكانه.
هيّأت المنزل بكل أنواع الزل والسجاد العجمي، وباعت جزءًا من ذهبها واشترت بثمنه الخضروات والفواكه، والحلوى المتوفرة في الأسواق.
ثم أعلنت لكل الديرة، رجالًا ونساءً وأطفالهم، أن الغداء في بيتهم، وفرشت المفارش في الطرقات المؤدية إلى منزلهم، متحدّية ردّ فعل زوجها، وقد اقتنعت أن القوة هي الحل الوحيد.
واستجلبت فرقة إنشاد نسائية تضرب على الدفوف، وأنشدت الأهازيج، واستقبلت الضيوف.
وحين رأوا (أبو جابر) قادمًا، كبّروا وهللوا وساروا خلفه كما في زفة العرسان.
ولم يفهم ماذا يحدث، والناس تهلل وتبخره وتغني باسمه، حتى رأى المائدة الطويلة الممتدة، والجموع من الأهل والجيران وأناس لا يعرفهم.
ذُهل من المشهد، وركض لفناء منزله، يبحث عن ماشيته، فوجده شبه خالٍ.
صرخ: “أين حيواناتي؟ أين روحي؟”
اقتربت منه زوجته، مبتسمة وقالت:
“اليوم يومك يا أبا جابر. أحمد الله، واشبع من رأس الديك الأقرع.”
صدى الجملة طار بعقله. تمتم، وارتبك، وصرخ، ومزق ثيابه، وخرج هائمًا على وجهه يصرخ:
“كل هذا من رأس الديك الأقرع!”
ومنذ ذلك اليوم، صار هائمًا، والناس تسخر منه، والأطفال يركضون خلفه، يرددون:
“كل هذا من رأس الديك الأقرع!”
وبقيت الزوجة تنعم بخيرات زوجها، تكرم الضيف، وتساعد المحتاج، بينما هو…
يضيع في الطرقات، يصرخ، حافيًا، أشعث الشعر، يقول:
“كل هذا من رأس الديك الأقرع…”
وختم الراوي قصته قائلاً:
“ناموا يا أولادي، وبكرة حطبوا أمكم ضبعة، وأبوكم شايبوا.”
القصة القطيفية اسمها (رأس الديك الأقرع)، ترويها الأمهات للأبناء والأحفاد.
أخذت من القصة الفكرة فقط، ولكن نسيجها، والحبكة من بنات أفكاري.
يقول الراوي:
كان يا ما كان في سالف العصر والأوان، كانت تعيش في إحدى البلدات امرأة لطيفة المعشر، حنونة على أهلها وجيرانها، دائمة الابتسامة، بشوشة المنظر، ولكنها في نفس الوقت، حزينة العينين، بائسة في حياتها الزوجية، فقد كان زوجها مضرب مثل في البخل، على نفسه وعلى عائلته وعلى جيرانه، مما جعل زوجته تعيش في ما يشبه الفقر والعوز، بالرغم من غنى زوجها، الذي كان يملك من المال الكثير، ومن الحيوانات الأليفة أعداد لا تُحصى، ولكنها لم تذق طعم لحمها إلا لمامًا.
لذلك تراها دائمًا تفيض عيناها بدموع الحسرة والبؤس والشقاء، فقد كان بخل زوجها لا يضاهيه أحد من شدة حبه للمال، فملبسه رث حتى إن الأطفال يصفونه بـ(الجلدة)، وبعضهم أطلق عليه اسم (الشحيح).
فمن شدة بخله كان ينكر وجود المال لديه، بينما يقضي من وقته الكثير يعدّ تلك النقود التي جمعها، ويبحث عن أماكن سرية يُخبئها فيها.
فغناه لم ينعكس على ملبسه، ولا مسكنه، ولا أكله. رغم ثرائه إلا أن الناس يعتبرونه من الفقراء المعدمين، خصوصًا عندما يروه في السوق يبتاع لأهله عظام البقر والكرشة بدلًا من اللحم، ويشتري أردأ أنواع الأكل.
ووصل الحال ببيته ليصبح زريبة لحيواناته، وأصبحت رائحته كريهة لا تُطاق.
وكان له مجموعة من الأولاد الذكور والإناث، ولكنهم جميعًا بحالة رثة، يتصدق عليهم المحسنون من الناس.
لم يحدث قط أن قام الزوج باستضافة أحد من الجيران، أو حتى من المقربين.
كان بخيلًا (حزج)، حتى القطط تأنف الدخول إلى بيتهم.
كانت الزوجة الطيبة والمرحة تشكو الحال البائس لجيرانها، ولأهلها، ومعارفها، الذين في الواقع كانوا يدركون الحال، ويتعاطفون معها، ويتحسسون آلامها باعتبارها امرأة نبيلة.
وكان أطفالها يشعرون بهذا البؤس ومرارة الحياة مع والدهم البخيل، فعندما يذهبون إلى نومهم يتشاكون الحال فيما بينهم، وكانت الأم تسمع حسرات قلوبهم، وتشعر بتأوهاتهم، وهم يتهامسون بالكلام:
“أولاد جيراننا يذهبون إلى (المعلم) يقرأون ويكتبون، وينعمون بالحياة، ووالدنا البخيل قد رهن كل أمواله لدى (الثعلب المكار) بحجة تشغيلها والمحافظة عليها، وتركنا في البؤس والشقاء، وفوق كل هذا، جعلنا محرومين حتى من الكلام وإبداء الرأي!”
قال أخوهم الصغير: “قلت لكم، والدنا بخيل وكريه، أنا لا أحبه، أهل الديرة كلهم يعيروننا ببخله!”
كانت الأم كل ليلة تسمع أنين أولادها، وتحتسب إلى الله أن يغيّر الحال، وتنتحب ليلًا، وتصلي الفجر متضرعة، لعل الله يغير حالها وحال أبنائها، ولكن الحال يزداد سوءًا وعذابًا ووجعًا، والشقاء يكبر، وبخل الزوج وصل مداه.
ظلّت الزوجة على هذا الحال لسنوات عديدة،
وفي يوم من الأيام، وبينما هي تفكر في حلول تخرجها من حالة البؤس هذه، قالت تحدث نفسها:
“يوم غد، يجب أن أستجمع قواي، وأن أخبره بأنني سأمت هذه العيشة المقرفة، أكثر من خمسة عشر سنة ولم يدخل بيتنا أحد، وأولادي يعيشون الفقر والمذلة وهم أغنياء. لا، لن تستمر الحياة معه على هذه الحال، لقد فاض بي الكيل. هذا محال. اللهم يا هادي، يا لطيف، اللطف بحالنا.”
قرأت كل الأدعية التي حفظتها عن ظهر قلب ولم يتغير لها حال.
“صبحك الله بالخير أبو جابر”، قالتها كما جرت العادة كل صباح وهي تمدّ إليه فطور الصباح الفقير: كسرة خبز يابسة وماء وقليل من اللبن.
وهذا الحال يتكرر كل صباح!
أجابها: “يا الله صباح خير وعافية، ما لي أرى التعب في وجهك؟ أين ذهب ذاك الجمال الذي كنتِ عليه أيام زواجنا؟”
ثم تابع حديثه بكل صلف وعنجهية: “ولكن هكذا أنتنّ معشر النساء، تكبرن بسرعة، وتشيخ قسمات وجوهكنّ كلما تقدم بكنّ العمر.”
قالت له: “وأنت، على ما يبدو، لم تنظر إلى المرآة منذ أن كنت شابًّا يافعًا، لأنك لا تملك مرايا في منزلك، لذلك عليك أن تسارع وتنظر إلى صورتك قبل أن تنسى شكلك أو تنطفئ من هذه الدنيا.”
قال: “ماذا تقولين يا امرأة؟”
قالت: “نعم، هذا ما أقوله لك، وأزيد: ستموت بأسرع مني إذا لم تدعُ أحدًا في هذا البيت للضيافة!
لقد رأيتك مرات عديدة في منامي وأنت تموت بسبب عدم استضافتك ولو ضيفًا واحدًا منذ زواجنا حتى الآن.”
علا الصراخ من الطرفين، وقالت له: “إذا لم تلبِّ طلبي، وتقم بدعوة الأهل والجيران لعزومة ولو متواضعة، فسأترك لك هذا البيت!”
وأردفت: “لقد امتلأ الحوش من الدجاج، والماعز الذي ربيتهم كأطفالك بيدي، وتعبت وسهرت، ولكن بخلك الذي زاد عن الحدود جلب لنا التعاسة والنحاسة. العيش معك يفطر القلب والكبد معًا، أصبحت العيشة معك لا تُحتمل.”
عندما رآها بهذه العصبية الحادة، وبجدية كلامها، قال لها:
“خلاص، اعزمي من تشائين، ولكن عندك الديك الكبير الأقرع، يمكن التضحية به، فهو أصبح عجوزًا، وعلى وشك الموت. لا بأس، اذبحِيه وأعزمي أهل الفريج.”
قالت له: “صار، واتفقنا، واذهب أنت إلى دكانك، وعند الظهر ارجع واستقبل الضيوف.”
ذهب البخيل إلى حيث يعمل، وهو يترنح، مقفهرًّا وجهه لما سيحصل لأحد حيواناته المدللة: الديك الأقرع.
بعد خروجه من المنزل، هرعت إلى جارهم (القصاب) وأخبرته بنيتها ذبح مجموعة من الديكة والماعز والبط.
مرت على بيوت الجيران والأقرباء وعزمت الجميع دون استثناء، وهيّأت أولادها لهذا الحدث العظيم.
جهّزت الزوجة القدور الكبيرة، وطلبت من صديقاتها إشعال المواقد، ومساعدتها في طبخ الولائم.
بدأت رائحة الحطب تصل إلى كل مكان في أرجاء الحارة، وبعد فترة، وصلت رائحة الشواء والطبيخ إلى أقصى البلدة، حتى وصلت إلى دكانه.
هيّأت المنزل بكل أنواع الزل والسجاد العجمي، وباعت جزءًا من ذهبها واشترت بثمنه الخضروات والفواكه، والحلوى المتوفرة في الأسواق.
ثم أعلنت لكل الديرة، رجالًا ونساءً وأطفالهم، أن الغداء في بيتهم، وفرشت المفارش في الطرقات المؤدية إلى منزلهم، متحدّية ردّ فعل زوجها، وقد اقتنعت أن القوة هي الحل الوحيد.
واستجلبت فرقة إنشاد نسائية تضرب على الدفوف، وأنشدت الأهازيج، واستقبلت الضيوف.
وحين رأوا (أبو جابر) قادمًا، كبّروا وهللوا وساروا خلفه كما في زفة العرسان.
ولم يفهم ماذا يحدث، والناس تهلل وتبخره وتغني باسمه، حتى رأى المائدة الطويلة الممتدة، والجموع من الأهل والجيران وأناس لا يعرفهم.
ذُهل من المشهد، وركض لفناء منزله، يبحث عن ماشيته، فوجده شبه خالٍ.
صرخ: “أين حيواناتي؟ أين روحي؟”
اقتربت منه زوجته، مبتسمة وقالت:
“اليوم يومك يا أبا جابر. أحمد الله، واشبع من رأس الديك الأقرع.”
صدى الجملة طار بعقله. تمتم، وارتبك، وصرخ، ومزق ثيابه، وخرج هائمًا على وجهه يصرخ:
“كل هذا من رأس الديك الأقرع!”
ومنذ ذلك اليوم، صار هائمًا، والناس تسخر منه، والأطفال يركضون خلفه، يرددون:
“كل هذا من رأس الديك الأقرع!”
وبقيت الزوجة تنعم بخيرات زوجها، تكرم الضيف، وتساعد المحتاج، بينما هو…
يضيع في الطرقات، يصرخ، حافيًا، أشعث الشعر، يقول:
“كل هذا من رأس الديك الأقرع…”
وختم الراوي قصته قائلاً:
“ناموا يا أولادي، وبكرة حطبوا أمكم ضبعة، وأبوكم شايبوا.”



