15 , مايو 2026

القطيف اليوم

من صفوى.. مرتضى الهاشم شابٌ يستعير سف الخوص من كفيّ أمه.. ابن الثانوية عشق الحرفة وتطوع لتدريبها

ولِد والخوص أمام عينيه، طفل يراقب أنامل أمه وهي تقوم بسفِّه، فغدا يخطف منها أعواده ليقلدها، وكبر وكبرت حرفة أمه معه، وبعد أن كان يرقبها وهي تحزم منتجاتها للمشاركة بها في المهرجانات، أصبح ذراعها اليمنى في تلك المهرجانات والفعاليات.

مرتضى محمد الهاشم طالب في المرحلة الثانوية، أحب حرفة أمه معصومة الحمدان، وتعلق بها، وأصبح محترفًا بها كوالدته، وعلى الرغم من صغر سنه فإنه يحب هذه الحرفة ويخصص لها من وقته جزءًا غير قليل، حتى إنه تجاوز ممارستها إلى التدريب عليها واستعراضها في الكثير من المناسبات.

على خلاف أقرانه.. ابن السابعة يعقد الخوص
"مرتضى"، الأخ الأصغر بين ثلاثة أبناء للحرفية معصومة، قد لاحظت ميله لحرفتها منذ سنواته الأولى في المدرسة، أي في عمر السابعة تقريبًا على خلاف الأطفال في عمره الذين تجذبهم الألعاب، ومع أنه كان طفلًا مهتمًا بالزراعة وتربية الطيور، فإن سف الخوص المستمر أمامه كان له سحر المغناطيس، فتلمست فيه والدته انجذابه الشديد لهذه الحرفة.

تقول والدته "آل حمدان": "منذ صغره بدا واضحًا لي محبته لأن يساعدني في جمع الخوص وتقسيمه، كما كان يحاول أن يجرب السف، وكنت أتركه ليجرب ويلعب به، وكثيرًا ما عمل خلال تجاربه بالخوص أشياء بسيطة، مثل عقده وتربيطه، وكنت أشجعه وأمتدح ما يعمله وأصفه بأنه جميل، على الرغم من أنه يكون مجرد عود من الخوص ملفوف وبه عقد". 

من اللعب إلى الاحتراف
استمر مرتضى في لعبه بالخوص، ومحاولاته المتكررة كطفل في محاولة نسجه، وكانت والدته لا تحرمه من هذا اللعب، حتى لو تسبب لعبه فيه بكسر أعواد الخوص وأصبح غير صالح للشغل به، تستعيد والدته تلك الذكريات قائلة: "لم يكن يزعجني لعبه في أعواد الخوص التي تخصني مطلقًا، كان أكثر ما يهمني أن يجرب نسجه مرة بعد مرة، وأن يكتشف كيفية عملنا فيه، إلى أن وصل إلى الصف السادس الابتدائي، في هذه المرحلة بدا واضحًا عليه إتقانه السف، فعمل فواصل الكتب".

كأمه وجداته
لأنه اكتسب الحرفة من أمه، فلا بد أن تكون هي مشجعه الأول، تقول: "لي دور كبير في امتهان مرتضى هذه الحرفة، فعندما وجدت الاهتمام لديه والرغبة بتعلمها، عكفت على تعليمه على تفاصيلها منذ الصغر، وكنت أعلمه حسب مراحل عمره إلى أن أصبح محترفًا مثلي تمامًا".

وتضيف: "وقد أورثته ما ورثته وتعلمته من والدتي وجدتي، فقد عاصرت جدتي وهي تعمل بهذه الحرفة، كما تعلمتها من والدتي فقد كانت من أمهر الحرفيين، وكانت تتقن سف منتجات خوصية لا يستطيع معظم الحرفيين إتقانها، فكانت المنتجات الخوصية لأغلب حرفيي الخوص تشابه بعضها، ⁠من سلال وحصر وسفر، بينما كانت أمي متميزة مع قليل من الحرفيين في إنتاج المراوح المزخرفة والهندال أو الدوخلة التي تسف من دون عمل شرائط من الخوص وخياطتها".

ومن الاحتراف إلى الورش
يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام وبعد أن أصبح "الهاشم" محترفًا في السف وهو في الصف الثالث المتوسط، وما إن التحق بالمرحلة الثانوية حتى وجد في مدرسته بيئة حاضنةً لهوايته وحرفته، فأصبحت المدرسة تعتمد عليه في نشاطاتها لتقديم ورش للطلاب، وعرض الحرفة أمامهم وخصوصًا في المناسبات الوطنية.

منتجات
وشابه ابن صفوى والدته الحرفية معصومة في التفنن في صناعة المنتجات الخوصية، فأصبح يجيد نسج الورد من الخوص وتعليقات السيارات والميداليات، إضافة إلى السلال وغيرها من المنتجات.

وعن المدة الزمنية التي يحتاجها لإنهاء أي قطعة، أوضح أنه يحتاج إلى ثلاثة أيام لإنتاج سلة متوسطة الحجم، حيث يستغرق يومًا في سفها، واليوم الثاني يخصصه لتنظيفها، وفي اليوم الثالث يقوم بخياطتها.

يمد كفا التطوع خارج المدرسة 
لم يكتفِ مرتضى بتقديم الورش داخل مدرسته فقط، بل تجاوز أسوارها، وبسط كفي التطوع في أماكن عدة، ومناطق مختلفة، كما أنه أصبح يرافق أمه ويساندها في حرفتها في بعض مشاركاتها في الفعاليات والمهرجانات.

وعن مشاركاته قال لـ«القطيف اليوم»: منذ عمرٍ مبكرٍ جدًا انخرطت في المشاركات التطوعية بالفعاليات الوطنية والمجتمعية، حيث كنت من أعضاء فريق في الخدمة التطوعي المرخص من الموارد البشرية، وحصلت على الكثير من شهادات الشكر والدروع".

ويضيف: "شاركت في عدد من المهرجانات المحلية، كما شاركت بتقديم ورش تدريب في الفعاليات التي تقام أثناء العطلات والإجازات في إثراء، وكانت مشاركاتي كلها تطوعية، كما أن المدرسة كانت تنتدبني في مكتب التوجيه ومكتب التعليم عند إقامتهم الفعاليات، وكذلك طلبتني وزارة التربية والتعليم للمشاركة في يوم التأسيس العام الماضي".

في بنان الرياض
آخر مشاركاته كانت في فعالية بنان بالرياض، كمساعد حرفي لوالدته، بعد أن تم اختيارها من قبل هيئة التراث للمشاركة كعارض حرفي، وبعدها جاءتها دعوة من المعهد الملكي لتقديم ورش للخوصيات في معرض بنان، ومن هنا جاءته الفرصة ليكون رفيق أمه ومساعدها.

تقول: "بعد أن عرض عليّ تقديم الورش وافقت إلا أنني سألتهم أن يكون مرتضى في قسم الحرفيين العارضين مكاني، وأنا في قسم الورش للمعهد الملكي، وجاءت الموافقة على ذلك، وعند وقوفه في ركني للخوصيات هناك كان يستعرض الحرفة أمام الجمهور، ويعطيهم فكرة عنها، ويبيع المنتجات الخوصية، وقد حظي بتشجيع كبير من قبل المسؤولين في هيئة التراث والثناء عليه لاستمراره في هذه الحرفة، حيث يُعد أصغر حرفي مشارك في معرض بنان، وقد تشرف ركنه بزيارة الدكتورة داليا اليحيى مدير عام قطاع الحرف اليدوية بهيئة التراث، مع وفد من كبار الشخصيات والمهتمين بالتراث، وقد أثنوا عليه وشجعوه على الاستمرار في هذه الحرفة".

بين الدراسة والسف
يهتم مرتضى الطالب في السنة الثانية من المرحلة الثانوية، أن يكون موفِّقًا بين دراسته وهوايته، يوضح ذلك بقوله: "لشغفي وحبي لهذه الحرفة فإنني أخصص وقت فراغي بأكمله بعد المذاكرة وحل الواجبات في العمل بالخوص، وفي أوقات العطلة أحب العمل والمشاركة في الفعاليات التطوعية لإدراكي أن هذه الحرفة تعكس حضارة وثقافة المملكة، لذا أجدني أحمل الرغبة بأن أحافظ عليها كحرفة أزاولها كلما سمح لي وقتي".
.
صور من مشاركاته
.











error: المحتوي محمي