03 , مايو 2026

القطيف اليوم

احتفالات التخرج فرحٌ لا يكتمل.. اختصاصيون يؤكدون: المبالغة في تكاليفها لها سلبياتها.. والسعادة ستلبس شعور «المنفّر»

ليست مجرد فرحة عادية! إنها ذكرى تخلدها الذاكرة وتختزنها في قائمة الأحداث المميزة، ترسم تفاصيلها بين وقتٍ وآخر، وأنت ترتدي وشاح التخرج وقبعته، تسير بين زملائك، أو تقف منتظرًا أن ينادى باسمك حتى تعتلي المنصة، وكأنك تعتلي الدرجة الأولى في سلم حياة جديدة، لكنك وسط هذا كله لا تتمنى أن تصل إلى تلك النقطة وأنت مثقلٌ بميزانية الحفل وما دفعته حتى تكون في هذا المكان.

"حفل التخرج"، كيف تحول عند الكثيرين من لحظة فرح مختلفة إلى قائمة طلبات تطول وتطول؛ بين قاعة احتفال، و"بوفيه" فاخر، وأصناف ضيافة متنوعة، وكماليات أخرى لم يحسب أهالي الخريجين لها حسابًا، فعوضًا عن أن يكونوا على أهبة الاستعداد لحضور ذلك الحفل وجد بعض الأهالي في وقتنا الحالي أنفسهم مجبرين على أن يشتروا الفرحة لخريجهم أو خريجتهم بمئات الريالات، وإن قلنا إن البعض لديه القدرة على شراء تلك الفرحة بشيك مفتوح إلا أن البعض الآخر لا يمكنه أن يدفع حتى نصف المبلغ المطلوب من ابنه أو ابنته، وبين الاستطاعة وضيق اليد هناك "خريج" ينظر لنفسه بعين المقارنة بينه وبين بقية الزملاء، فهل لتلك الفرحة المشتراة بأغلى الأثمان أثرها على نفوس أولئك الطلاب والطالبات؟!

بين احتفالات التخرج والتكريم
بين إيجابيات تلك الاحتفالات وسلبياتها، تقصّت «القطيف اليوم» آراء بعض الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين، وكان مستهل الآراء للاختصاصي الاجتماعي جعفر العيد، الذي سلط الضوء على احتفالات التخرج التي تشمل الاحتفاء بالمتفوقين من أولئك الخريجين، مشيرًا إلى أنه منذ أن عرفت المنطقة معنى التكريم والاحتفاء بالمتفوقين كانت هناك مجموعة من الصيغ في التكريم، فلا يمكن أبدًا حصر أنواعه أو حصر احتفالات التفوق بالنموذج الواقع الذي يتسم بنوع من المبالغة كإحراج الأسر، مضيفًا أن هناك تاريخًا من احتفالات التفوق وبعض هذه الاحتفالات ترعاها وزارة التعليم في كل منطقة على حدة.

وذكر "العيد" أنه إذا كان الحفل احتفاء بالمتفوقين؛ فإن ذلك يعد من الأمور الإيجابية وينبغى استمرارها، ودعمها، مستعرضًا بعض شروط احتفالات التكريم؛ ومنها: أن تقوم به المؤسسة التعليمية أو أي جهة عادلة يوثق بها، وأن يكون الاستحقاق واضحًا وشفافًا، وأن يشمل جميع الطلاب المتفوقين أو المتميزين، وألا يكلف الطالب أو ولي الأمر أي مبالغ تذكر، وأن يكون التكريم رمزيًا أكثر من كونه ماديًا.

المبالغة مرفوضة.. وهذه سلبياتها
وعبر العيد عن رفضه للمبالغة في حفلات التفوق، والتي تتطلب مبالغ طائلة من دون مبررات لصرف هذه المبالغ، مشيرًا إلى أنه في بعض الأحيان تكون الأموال المطلوبة في مكانها، كقيمة استئجار استراحة، وتقديم وجبة طعام، أو إقامة رحلة، أو تقديم هدايا قيّمة للمتفوقين والمتفوقات، مستدركًا بقوله: "أما جمع المبالغ من أولياء الأمور وإحراجهم وإجبارهم حتى ولو كان عن طريق الإحراج الاجتماعي فهذا غير مقبول".

وأكد أن للمطالبة بمبالغ غير معقولة انعكاسات اجتماعية وصفها بالكبيرة، وذكر منها؛ الحرج الاجتماعي الذي تسببه لأولياء الأمور خصوصًا أصحاب الدخل المحدود أو المطالبين بالتزامات مادية، وفقدان احتفالات التخرج نكهتها، وتأثيرها الإيجابي لاشمئزاز أولياء الأمور من اقتراب موعد التخرج وتذكر المصاريف المتوجب عليهم دفعها، كما أن من الممكن أن يكون هناك تفرقة بين الطالبات عند العزوف عن حضور حفل التخرج مما يتسبب في كسر خواطر الطالبات اللاتي لم يحضرن الاحتفال، معلقًا: "ناهيك عن رهافة الإحساس الذي يحمله المتفوق لو حدث نبز بالكلام بين الطالبات أو بين القائمين على الاحتفال وبعض الطالبات؛ تتزايد المشكلة شدة في حال كانت الطالبة في سن المراهقة وما يحمله هذا السن من رهافة في المشاعر وسرعة التأثر بالأحداث".



الفرحة تلبس شعور المنفر
الاختصاصي النفسي فيصل آل عجيان، تحدث عن أثر المطالبة بمبالغ تفوق استطاعة البعض من خلال اختصاصه؛ حيث قال: "قد يشعر من ليس لديه استطاعة أو حتى قناعة بالتكلفة بالضيق، وبدلًا من أن يكون الاحتفال مثيرًا محببًا سيكون مثيرًا منفرًا، فالمثيران المحبب والمنفر إذا اجتمعا صار المحبب منفرًا حسب نظرية بافلوف للاشتراط الكلاسيكي التي تقول بأنه إذا اقترن مثير منفر ومثير محايد أو محبب مثل الاحتفال فإنه يتحول إلى منفر أو يستجر الاستجابة المنفرة فيسبب كآبة وحزنًا".

وتابع: "يمكن تعميم المثير فمثلًا إذا سمع بوجود احتفال يشعر بالاختناق والضيق ولا يعرف سبب ذلك، وفي الواقع أنها ارتبطت ارتباطًا شرطيًا بالمثير المزعج وهو عدم الاستطاعة أو الشعور بأنه أقل من غيره وفي حال لم يقتنع ولم يدفع ولم يذهب يتملكه شعور بالحسرة لعدم حضوره الاحتفال وأيضًا يمكن أن تولد أحقادًا وحسدًا بينه وبين المقتدرين". 

وأشار إلى أنه يمكن لهذه الاحتفالات أن تكون مليئة بالسعادة إذا تغلفت بالبساطة من دون المبالغة وإنفاق في غير محله فيمكن أن تحتفل بالتخرج بأقل التكاليف وبأبسط الصور. 



قرار وزاري.. بلا تكاليف
حول المبالغة في حفلات التخرج أكد المشرف التربوي صلاح آل مطر أن المدارس لا تكلف الطلاب شيئًا ولا تجمع أي مبالغ وإذا كان هناك جمع مبالغ فهو من خارج إطار المدرسة.

وأوضح أن الاحتفال بخريجي الثانوية يأتي انطلاقًا من أن الوزارة أصدرت دليلًا للاحتفاء بطلبة الصف الثالث الثانوي ووزعته على المدارس لمعرفة كيفية الاحتفاء بهم، ولم تصدر أي دليل آخر لأي مرحلة أخرى، كما أنها وضعت ضوابط لها ومنها تضمين فقرات الحفل؛ مما يعزز القيم الإسلامية والهوية الوطنية وعدم مطالبة الطلاب بأي تكاليف نقدية أو عينية للمشاركة في هذه الفعالية، وتحدد المدرسة المقر ووقت الحفل مع الإجراءات النظامية المتبعة وتقييد ضوابط التصوير ومشاركة الطلبة في الاحتفاء وفق رغبتهم ومراعاة شروط الأمن والسلامة في مقر الحفل ويكون الاحتفاء ضمن اليوم الدراسي.

وشارك "آل مطر" بوجهة نظره الخاصة -حسب وصفه- حول الاحتفاء ببقية المراحل، مبينًا أنه يرى أن يكتفى في الاحتفاء بها بصورة خاصة أو عائلية أو حتى داخل المدرسة من دون أي تكاليف ولو بحفل بسيط جدًا يتضمن شهادات ورقية للتهنئة.

وأضاف أنه ليس من الضروري في كل عام وكل مرحلة أن يقام حفل تخرج وقال: "لماذا لا يكون الاحتفال فقط في نهاية المسار التعليمي في التعليم العام أو في مرحلة ما قبل التعليم الجامعي من الابتدائي إلى الثالث الثانوي، وتتعاون الأسرة فيما بينها وتكتفي بالاحتفاء بالتخرج بطريقة مناسبة ومقننة؛ لأنه قد يكون داخل الأسرة الواحدة طالب في ثالث متوسط وآخر في ثاني متوسط وثالث في سادس ابتدائي ورابع في روضة وخامس في ثانوي، فلا بد أن نقتصر على الصف الثالث الثانوي ونترك للمدرسة إقامته بشكل مبسط وعندما يعود إلى المنزل بشهادته تقيم الأسرة احتفالًا مناسبًا ومبسطًا، لكن أن تتجمع الأسر والأمهات خاصة لإقامة الاحتفالات فالأمر يكون مكلفًا جدًا ومحرجًا أمام الآخرين وقد يعتذر البعض ويتذرع بالذرائع المختلفة بسبب التكلفة الكبيرة التي قد تفوق قدرة الأسرة".



فرحة مفقودة
وكان للاختصاصية النفسية خلود آل حمود رأيًا مشابهًا لزملائها الاختصاصيين، حيث وصفت تلك المبالغة بأنها سلوك غير مرغوب فيه، بما أنه خرج عن الإطار والمحتوى النفسي والمعنوي كأحد أشكال التعبير عن الفرح  وتحول إلى عبء ثقيل وهم كبير، يفقد الإنسان لذة التخرج؛ بسبب تكبُّد الأسرة مبالغ باهظة، مؤكدة أنه قد يؤثر على العلاقات الأسرية بين الأبناء والوالدين.

وأكدت أن لبعض تلك الاحتفالات جانبًا سلبيًا حيث قالت: "حين تقام هذه الاحتفالات بشكل مكلّف ويكون فيها الكثير من مظاهر البذخ ستنجرف عن مسارها من تعزيز النجاح إلى مشاعر مصطنعة، الغرض منها المباهاة والتفاخر، كما أنها ستحدث صورة مشوهة لمعنى الحفل، وقد تجعل الفرد متمردًا وغير قادر على التكيّف، كما أنها ترهق الأسرة ماديًا ومعنويًا وتؤدي إلى تقسيم المجتمع إلى طبقات وفقًا للقدرة المادية".

واقترحت أن تسن أنظمة رسمية من قبل المدرسة، وأن تقوم بتحديد مبلغ رمزي فقط كي لا يكون هناك فروق طبقية؛ لأن الهدف الأساسي هو تعزيز النجاح والشعور بالفرح والإنجاز والتعاون، وشكر الطلاب والمعلمين على ما بذلوه خلال العام الدراسي.



error: المحتوي محمي