02 , أبريل 2026

القطيف اليوم

الجزء الثاني من قصة خياط السكة

لم يتناول وجبة غدائه ذلك اليوم، وعوضًا عن ذلك افترش الأرض، ووضع وراء ظهره تكية من القطن، أمعاؤه الخاوية تعتصره، ومرارة تصعد إلى حلقه، والحزن أخذ مأخذه، الأرجيلة، والقهوة، وبقايا ماء ساخن مضافًا له قطعة سكر نبات من النوع الفضي كل ما دخل إلى جسده النحيف، بعد أن أمضى يومين بالتمام والكمال من الاعتكاف! هاهو يجلس في باحة البيت، يتأمل عروق يديه، وهزالة ساقيه، ويستمع إلى دقات قلبه، ويطيل النظر من خلال منور البيت إلى السماء البعيدة، يشاهد شعاع الشمس المتوهجة تنثر خيوطها عبر فتحة بيته القديم، ثم ما تفتأ تتسلل إلى الحيطان المائل لونها إلى لون الطين البحري المكتسية بالطحالب الخضراء، تأملها مليًا وهي تتسلق تلك الجدران النافرة أحجارها، المهترئة البنيان، تتبع تلك الخيوط الشمسية التي كشفت عن شقوق كبيرة متصدعة في الحيطان المقابلة لغرفة نومه فهاله ما كان غافلًا عنه، أما الشمس الساطعة فمازالت تمد ألسنتها الحارة، محاولة التسلل عبر شقوق النافذة (الدريشة) إلى حيث يوجد سريره الخشبي.

ناشدته زوجته بتغيير مكانه، وحذرته من مباغتة الشمس له، فهي تخاتله بسرعة لتصل لمكان جلوسه، وساعتها سيصاب بالدوار والدوخة، خصوصًا عندما تكون معدته خاوية، وأمعاؤه يابسة على حد تعبيرها، وعندما لم يستجب لندائها، اقتربت منه، وأخذت بيده اليمنى بلطف، وهمست متسائلة: ما بك يا أبا عيالي؟ وتابعت القول دون أن تنتظر جوابًا منه: إذا أغلقت الدنيا بابًا في وجهك، فسيفتح الله لك أبواب السماء بالخير.

قال لها بعد أن انتبه لكلامها: حسبت سنين عمري يا امرأتي وأم أولادي، فوجدتها طويلة، قلبت بعض ما مر علينا من شقاء، ووجع، فصابني الهم والغم. ثم ذكّرها بسنوات (البطاقة)، عندما لم يكن هناك عمل، ولا أكل، وكيف كان يقف في سوق (جنوب) منتظرًا أن يأتي من يطلب عملًا في البناء، أو الذهاب للبحر لقطع الحجر، أو من يطلب نقل قلال التمر أو أي نوع من الأرزاق، وذكّرها عندما كان يقضي النهار منتظرًا من يطلبه لأي عمل، ولكنه كان يعود خالي الوفاض، هزيل الجسم، دون أن يكون في يده كسرة خبز، أو قليل من الحنطة أو التمر، فيبات ليلتهم على معدة خاوية، في بيت مليء بالظلام،  تخافه حتى القطط والفئران من شح الأكل، وقلة الزاد، حيث لم يكن   بحوزتهم إلا ذلك الماء العكر والقليل من السكر، وإن تيسرت فيكون معه كسرات من الخبز أو قليل من عظام البقر.

عندما أدركت الجدة ما يرمي إليه، قالت له: لذلك حنيت إلى تلك الليالي المعتمة، وتلك السنين العجاف، ولم تذق طعم الأكل، وعوضًا عن ذلك شربت الماء بالسكر، واختبأت في الدار الصغرى كريهة الرائحة، لمدة يومين دون أن تحدث أحدًا، إلا زوارك المختبئتين خلف جذوع السقف المتهالكة، ألم تخش من سقوطها فوق رأسك، أيها العجوز الكريم؟

لا أخاف من سقوط الأسقف، أما امتناعي عن الأكل فجوابي عليك بنعم؛ حتى أجرب إن كنت أقوى على العيش من دون طعام! تفاءلوا بالخير تجدوه، قالت له وهي لاتزال ممسكة بيده، وطلبت منّه النهوض، ففعل، ويداه مازالتا ترتعشان! وباردتين! قادته إلى الليوان الذي يقع على الجانب الجنوبي من البيت، حيث تعلم الجدة عدم قدرة الشمس الوصول إلى هناك في هذه الساعة من النهار، أجلسته على دوشق قطني مريح وجاف، لم يصبه بلل رطوبة الطقس الحار، وأحضرت شربة ماء، وأسقته قدر كفايته، وبللت قليلًا من الخبز مع مرقة لحم الماعز، ولقمته كطفل صغير دون أن تنطق شفتاه بكلمة واحدة. وكي تطمئنه أكثر، قالت له: هذا الزمان لا يقاس بما مضى، فأولادنا الآن جميعهم يعملون، وابنتنا الوحيدة متزوجة، فلن يكتب الله لنا إلا الخير.

أجابها بكلمات متقطعة: لن أعتمد على أولادي يا أم عيالي، إن لم تكن لقمة العيش من كدحي فلا خير فيها، وبعد أن ارتوى جسمه قليلًا، وقد هدأت أموره، وزالت ارتعاشة يديه، وفارقت الكآبة مبسمه، انتصب واقفًا، شاهقًا بطول جسده العملاق، مرتديًا ملابسه الأنيقة، صعد الدرج، متجهًا إلى غرفة نومه، تناول عمامة قد خيطت على يديه بخيوط من القطن والكتان من زمن بعيد، في نفس الوقت الذي طلب منه خياطة عمائم وثياب الغيطان، وصديري لشخصيات رفيعة المستوى، فكان هناك قماش متبقيًا من القماش استطاع توفيره ليخيط به عمامة تليق بجسمه النحيل الطويل، وعندما نظر إلى هيئته، بعد أن اكتملت بلبس البشت، انفرج من بين شفتيه الجافة شيء من البسمة الظليلة، حاول أن يخفيها كي لا يقال عنه شيبة مصاب بداء التصابي أو الاستهتار. نظرت زوجته خلسة، وقد استهوتها طلته، وجمال شكله، وشعرت بالراحة حينما عادت له الحيوية والنشاط، إلا أنها وقبل أن يخرج من البيت حذرته من الطقس الحار، ومن احتمالية هبوب رياح السموم، لذلك طلبت منه أن يأخذ معه غترة للاحتياط، فأستجاب لطلبها.

عدل من قامته، خبط الأرض برجليه الحافيتين، سمع صوت قوتهما، طلب من زوجته فنجانًا من القهوة العربية، وكانت جاهزة، ارتشف منها بضعة فناجين، حتى توردت وجنتاه، وأشرقت عيناه، وزال أثر الإجهاد من على جبهته، حينها انتعل نعاله (الجبلي) الذي يخصصه للمناسبات السعيدة. شق طريقه، قاصدًا دكانه في السكة، وكان لا يزال نفر قليل في دكاكينهم، وبعض من المبتاعين، حيث لم يحن العصر بعد، ولايزال الطقس حارًا وجافًا، والشمس تلهب بحرارتها الوجوه، يصبح الجو قاسيًا في أرجاء السكة، خصوصًا بعد أن اتسعت رقعة اهتراء الطربال الذي يغطي سقفها، وتساقطت بعض الأخشاب القديمة حتى أصبحت كالشخص الأدرم (الذي لا أسنان لديه)، لقد أضحت صورة النهاية لهذه الدكاكين المصفوفة على الجانبين واضحة، قال لنفسه: لا بأس، لكل شيء نهاية، ربما سيأتينا ما هو أفضل. افتتح دكانه فوجد كل شيء في محله، ماكينة الخياطة، التي اعتلاها بعض الغبار، المقص الكبير والذراع وخيوط البكرات، موضوعة بترتيب على جسم الماكينة، والقماش (البوسكي) مركون في موضعه على أحد رفوف الدكان، أما قماش (اللاس) الفاخر فلم يبق منه إلا عدة أمتار قلائل خبأها ليصنع منها ثوبًا لأحد أحفاده المدللين، نزع عن رأسه عمامته، وبهمة الخياط المتمكن، راح يقص القماش، ويقيس أبعاد كل ثوب، حركته كانت دؤوبة، يده تتابع الإبرة وهي تتقافز ارتفاعًا ونزولًا بسرعة شديدة، واليد الأخرى على طارة الماكينة، ورجله على الدواسة، وكلما توقفت حركة الماكينة، أعاد تدويرها بمهارة فائقة من خلال إعادة توازن العجلة السفلية الواقعة بجانب يمين هيكل الماكينة، كان ينشد الأهازيج بصمت وهو ينهي الثوب الأول، وسرعان ما يهب للثوب الذي بعده، وهكذا كان يسابق الزمن، قائلًا في نفسه بأن المدة المتبقية لتسليم المحل لا تتجاوز أسبوعين، وستصبح السكة أثرًا بعد عين، ستبقى هذه الأماكن ذكرى عظيمة لمن سيأتون من بعدنا. أدار عجلة الماكينة، وسمع صوتها المعتاد، رفرفة القماش، عندما ينساب من بين الإبرة، صانعًا نموذجًا من الثياب الجميلة، ستحيل مرتديها إلى هالة من الفرح، وعندها برزت وجوه زبائنه وأبنائهم ملتمعة عيونهم، مكتنزة خدودهم، منفرجة أساريرهم في حللهم القشيبة، من صنع يديه. لم ينتهي من الصور الجميلة حتى شعر بباب الدكان يهتز اهتزازًا خفيفًا، ويصدر صريرًا متواصلًا، جعله يترك القماش بين فك الإبرة، عندما اقترب من الباب شعر بتيار من الهواء يسقط من بين طرابيل السكة المهلهلة، نظر إلى السماء فوجدها تميل إلى الاحمرار، صارت موجات من الغبار تنهل من كل فتحات سقف السكة، الرياح تزداد، وأصحاب الدكاكين يغلقون حوانيتهم، قال أحد جيران الخياط: هذه الهويات ما تبشر بالخير، الأفضل أن نغلق دكاكيننا ونتوجه للبيت، كان المرتادون وأصحاب الأماكن والمحال والحمالون، والعتالون، الجميع يهم للمغادرة، وقد امتلات عربات أصحاب الحمير بالناس، كلهم غادروا على عجل، ازدادت الرياح هيجانًا، وأصبحت السماء حمراء، كانت عيناه المغبرتين تتراوحان بين القماش الذي لم ينته منه وبين العمامة المعلقة على مسمار في الحائط، هل أكمل عملي في هذه العاصفة الهوجاء، مخاطبًا نفسه؟

لم يكمل فكرته، فقد جاءت دورية الشرطة تطلب من الناس المغادرة على عجل كل إلى منزله، انتشل الغترة التي أوصت بها زوجته وأخذها من باب الاحتياط، لف بها أنفه وفمه، وأغلق باب الدكان على عجل متمتمًا: رغم الصعاب التي تقف أمام عيني، لابد من إنجازه، هذا عهد قطعته على نفسي!


error: المحتوي محمي