قال تعالى:
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الحديد (12)
في كل مجتمع من المجتمعات هناك ثلة من الرجال المؤمنين الصالحين، الأتقياء، وجودهم بركة في ذلك المجتمع، بل هم مصدر الخير والبركة، فأينما حلوا تحل معهم البركات والخيرات.
تتصف هذه الثلة المؤمنة بصفات الإيمان ولذا فهي تغمر من حولها بالحب والعطاء، وتكون نقطة إيجابية في المجتمع، وتنشرح النفوس لرؤيتهم، ويستبشر الناس بمقدمهم.
هكذا كان الحاج المؤمن أبا غسان الشيوخ الذي غادرنا تاركاً لوعة في نفوس أبناء الشويكة، الذين عرفوه بتقواه وإيمانه، وخلقه الفاضل.
كنت أراه وهو يقصد مسجد الشيخ علي المرهون رحمه الله ماشياً على قدميه، بكل هدوء وسكينة فأقول في نفسي هذه المشيئة الهادئة تنشر بذور الإيمان والتقوى في ذلك الطريق.
سيرة المرحوم الحاج أبو غسان الشيوخ هي سيرة إيمانية لا يعلم بتفاصيلها إلا المقربون وليتني كنت منهم، لأقتبس من تلك السيرة ما ينفعني في حياتي.
رجل المسجد
قال تعالى: (إِنَّما يَعمُرُ مَساجِدَ اللَّـهِ مَن آمَنَ بِاللَّـهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَم يَخشَ إِلَّا اللَّـهَ فَعَسى أُولـئِكَ أَن يَكونوا مِنَ المُهتَدينَ). [سورة التوبة، آية: 18]
عرفت المرحوم ابو غسان برجل المسجد، فهو أحد القائمين على إدارة مسجد الشيخ علي المرهون، لم ينقطع عنه إلا في الظروف الصعبة.
وهنيئاً له هذا التوفيق في عمارة المسجد وخدمته فكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من أسرج في مسجد من مساجد الله سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوء من السراج "(1).
إضافة لذلك فهو ممن يواظب على صلاة الجماعة في جميع الفرائض، وتجده يقف خلف الإمام ، يصلي صلاة الخشوع والانقطاع إلى الله، لتنعكس تلك الصلاة على حسن سيرته فـ "من صلى الخمس في جماعة فظنوا به خيرا" كمال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)(2)
وهذا درس يقدمه لنا المرحوم بأن يكون المسجد هو محور البناء الإيماني، وهو المؤسسة التي يتخرج منها الأتقياء والصالحون، والعلماء أيضاً.
صوت المؤذن
كلمات المؤذن هي تلك الكلمات التي توقظ الغافل، وتعلن عن بدء اللقاء الرباني، وتدعو الإنسان للمسارعة لتلبية تلك الدعوة الإلهية، المؤذن هو ذلك الشخص الداعي لإقامة الصلاة، الداعي للفلاح وخير العمل. المؤذن هو ذلك الشخص الذي يردد كلمات الاطمئنان لتحلق القلوب في فضاء الإيمان.
هذا هو المؤذن ابو غسان الذي كان يشنف اسماعنا بكلمات الأذان، ولذلك حصل على الأجر والثواب العظيم الذي قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله): يغفر للمؤذن مد صوته وبصره، ويصدقه كل رطب ويابس، وله من كل من يصلي بأذانه حسنة (3).
رجل الدعاء
قال تعالى: " ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" الأعراف (55)
جاء في تفسير الأمثل أن هذه الآية (تحثنا على أن نقبل على الله بمنتهى الخضوع والخشوع والتواضع، بل يجب أن تنعكس روح الدعاء في أعماق روحه، وعلى جميع أبعاد وجوده، ويكون اللسان مجرد ترجمانها، ويتحدث نيابة عن جميع أعضائه).
كان رحمه الله قارئ للأدعية، بل تجده يختار مقاطع من الأدعية المؤثرة، ويقرا الأدعية عن ظهر غيب وهذه ميزة تميز بها، ليكون الدعاء ضمن ذاكرته.
ويمكن القول أن المرحوم كان المثال الحي لـ (واجعل لساني بذكرك لهجاً) ، يمكن القول أيضاً أنه كان (رجل دعاء).
زيارة الحسين (عليه السلام) ختام الحياة
ختم حياته بزيارة الحسين (عليه السلام) لينال الشرف العظيم والدرجات الرفيعة فعن أبي اُسامة زَيدٍ الشّحّام «قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : مَن أتى قبر الحسين عليه السلام تشوّقاً إليه كتبه الله مِن الآمنين يوم القيامة، وأعطى كتابه بيمينه، وكان تحت لِواء الحسين عليه السلام حتّى يدخل الجنّة فيسكنه في درجته ، إنّ الله عزيز حكيم»(4).
الهوامش:
1 ) من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق - ج ١ - الصفحة ٢٣٧
2 ) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - الصفحة ١٦٤٨
3 ) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ١ - الصفحة ٦٢
4 ) كامل الزيارات ، ص 154


