أرادت أن تصنع فرقًا، فكانت جريئة. مختلفة، وشغوفة منذ البداية، وبكل فيلمٍ سينمائي تصنعه الآن تعود بها ذاكرتها إلى تلك الأفلام الحقيقية العظيمة التي لا تزال عالقة بخيالها، فالزمان يرجعُ بها إلى أيام المراهقة بحماسها وشغبها، وأما المكان فهو أية بقعة تتجمع فيها العائلة بضحكاتها وصخبها وابتساماتها بكل عفوية أمامها؛ فهناك أطفالٌ يلعبون، وأبٌ يداعبهم، وأم تلم الجميع في أحضانها، وبعدستها المترصدة لأروع اللحظات، وتوثيق أجمل المناسبات، أوقفت الزمن لوهلة، وأحيت الصور عمرًا متجددًا لا يهرم بهرمهم، فقد كانت تلك العدسة الهاوية تتسمّر حبًا أمام لحظات العائلة المحبة، والمناسبة واللا مناسبة التي تجري خلف شغفها في كل اجتماع عائلي.
حتى جاء ذلك اليوم الذي قررت فيه كاميرتها أن تنهي أيامها قبل أوانها فسقطت منها في البحر، وتعطلت تمامًا عن العمل؛ مما دفع بأهلها إلى شراء كاميرا لها خاصة بالمبتدئين، وكانت تلك الكاميرا وافية بالغرض بالنسبة لها، وما بدأ كهواية وتوثيق لأحداث عائلية، تحول في عام 2013 م إلى تصوير فيديو ومونتاج، وكان حفل تخرجها من المرحلة الثانوية شهادة ميلاد لماريا عبد الله دعبل الموسى في عالم التصوير الفوتوغرافي والتصوير السينمائي.
حفل التخرج
عن تلك الصور الفوتغرافية التي أضحت ميلادًا لصناعة الأفلام السينمائية لدى ابنة الجش، تحدثت الموسى لـ «القطيف اليوم» فقالت: "بعد انتهائي من دراسة الأعمال بجامعة الدمام فكرت أن أعمل لتخرجي بالجامعة مقطعًا مرئيًا أيضًا كالذي أنتجته لتخرجنا من المرحلة الثانوية، فقد قادني حدسي وإحساسي نحو هذا العالم الذي أردتُ الإبداع فيه".
وتابعت: "رغبتُ في بلورة هوايتي وتحويلها لمهنة احترافية بعد التخرج، فأخذت دورة مونتاج بأحد إستديوهات القطيف، وبعدها بشهرين عملت بذات الإستديو الذي أخذت فيه الدورة، وبقيتُ فيه لتصوير المناسبات لمدة 4 سنوات؛ ثم استقلت بعدها وافتتحت مشروعي الخاص"ماريا فيلم" للإعلانات التجارية وصناعة الأفلام".
مشاعر ورسالة
تتلاعب الموسى بالألوان والإضاءة والتفاصيل، فتتلاعب بذات الوقت وبكل شاعرية بعواطف الرائي، فالتصوير السينمائي بالنسبة لها هو ساعي البريد بقصة، ومشاعر، ورسالة، فلم يعد الأمر هواية كما كان، بل تحوّل إلى مشروع وبصمة تدفعها كل يوم لتعلّم الجديد؛ لإثبات ذاتها في هذا العالم المبدع معتمدة على تجاربها وبحثها الدؤوب، يغذيها في ذلك كله تشجيع أهلها وصديقاتها لها بكل حب.
من صالة الأفراح إلى أفق أوسع
تعود الموسى بذاكرتها إلى أول فيلم أنتجته في عملها بصناعة الأفلام في عام 2017 م في تصوير إحدى الزواجات أثناء عملها بالإستديو، لقد كان الأمر أشبه ما يكون بتوثيق على شكل فيلم قصير. وفي شهر أكتوبر 2020 م افتتحت صفحتها الشخصية على الإنستجرام؛ لتعرض من خلالها كل الأفلام والإعلانات المرئية التي تنتجها، فلم يعد عملها قصرًا على تصوير الأعراس فقط، بل تعداها لتصوير الأطعمة والإعلانات المختلفة والأفلام الوثائقية والواقعية.
غذاء العين
تتجدد التكنيكات وتتطور التقنيات والطرائق في كل يوم في عالم التصوير، ومع هذا التسارع التقني، تواكب الموسى ما يبهرها في عالم التصوير السينمائي، وهي ترى بأنّ التغذية البصرية هي أول الإمكانيات وأهمها التي ينبغي أن يقويها المصور في عمله، فالفيلم متحرك والصور متتابعة وكل صورة لا تستقر ثواني معدودة، ولذا فالتغذية البصرية العميقة تستطيع استيعاب وملء كمية الجمال التي يصنعها المصور السينمائي، وبعدها تأتي المعدات الحديثة، والتطوير المستمر للمهارات، فعصر السرعة والتجدد يدعوها لخوض مضمار المنافسة بكل الإمكانيات والمؤهلات مع إضافة لمستها الخاصة، فبصمة المصور تغدو جزءًا هامًا من عمله، وتميزه عن غيره من المصورين.
للناس
وعن عدستها وما تنجذب إليه في هذا العالم قالت الموسى: "تنجذب عدستي لتصوير الناس وتفاصيلهم ولحظات من حياتهم، وبالأخص الوثائقي منها، فالواقعية تطرق المشاعر دون استئذان، كما ألقى فيها قصصًا لم أكن أعرفها، ولا حتى أتوقعها أحيانًا".
هدف بثلاث ركائز
وأضافت: "القصة، المشاعر، الرسالة؛ بالطبع هذه الركائز الثلاثة هي أهدافي التي أضعها نصب عيني قبل البدء في تصوير أي فيلم، ودائمًا أبدًا أركّز على تطوير مهاراتي؛ ليتطور تنفيذي لأعمالي مثل مهارات المونتاج والتكنيكات الجديدة في المونتاج، والتصوير كذلك، إضافة لخطوات تنفيذ العمل، ورحلة ميلاد الفيلم المقصود منذُ بداية تواصل العميل، إلى حين وقت الاستلام".
وأكملت: "إنني حريصة على تحدي نفسي بالتجارب الجديدة والتي قد أشعر تجاهها بالخوف والقلق، وما أخاف منه وأقلق أكتشف بأنه يعلمني أشياء جديدة ويطور من عملي، ويرتقي بي درجة أخرى، ويأسرني أكثر وأكثر في هذا المجال الآسر".
إعلانات واختلاف
تزخر صفحة الموسى الشخصية بالعديد من الأفلام التي قامت بتصويرها كدعاية للمشاريع أو المؤسسات، فقد صورت لعدة أماكن ومشاريع حتى قبل افتتاح مشروعها الخاص، ومن أبرز الأفلام التي تفخر بإنتاجها والدعاية لأصحابها بعد افتتاح مشروعها "ماريا فيلم" وانطلاقتها منه، هي؛ افتتاح مخبز شريحة خبز، ومحمصة آرتست هب، ومحمصة سويل، ومحل البصريات تري اوبتكس، وكريستوود للمطابخ، ومطعم زاد السلطان، وسبايسي مكس، ومقهى أماونت، ومكتب إحسان العباد للاستشارات الهندسية، كما أنتجت فيلمًا دعائيًا خاصًا لفلل سدين السكنية مع برنامج سكني.
العين تعشق
تنوعت الأفلام المصنوعة عند الموسى ما بين تصوير الأطعمة، والأفلام الوثائقية والواقعية ودعايات المشاريع والمؤسسات، وأكثر الأفلام جهدًا وتركيزًا لديها هي أفلام الأطعمة والمشروبات، فهي تحتاج إلى جهد في تنسيق شكل الطعام، وكيف يبدو مشهيًا وجاذبًا في التصوير، فالعين تعشق الصورة والشكل الجاذب، وقد استطاعت من مجموع أعمالها المصورة اكتساب الثقة من عملائها بعملها، فكل من تعاملت معه يثني على أعمالها، ويصفها بالجودة ودقة المونتاج.
نقلة مميزة
بأجواء خاصة عند الموسى محفزة للإبداع في التقاط الصور وإبداع الصناعة، من موسيقى هادئة، ونور الشمس الساطع، والصحبة اللطيفة، حققت الفوز بعدد من أفلامها التي شاركت بها في مسابقات ومناسبات مختلفة، فقد حصلت عن فيلمها "تراثنا لأجيالنا" على جائزة ألوان السعودية في عام 2018 م عن فئة الأفلام التراثية والثقافية، وربما كان هذا الفيلم نقلة مميزة لديها، فقد كانت أول امرأة سعودية تفوز بجائزة الأفلام السعودية، كما اكتشفت من خلاله حبها لتصوير الأفلام وأثرها على الناس. كما كان لها عمل مشترك مع مصورين آخرين، بفيلم "الجانب الآخر" المنفذ من قِبل جمعية القطيف الخيرية.
انتظار
تنتظر الموسى نقلتها الحقيقية الحقة حين توصل رسائل أكثر وأكثر بعدستها، وتروي من خلالها قصصًا كثيرة لمختلف الأشخاص حول العالم، موصلة مشاعرهم وأحاسيسهم بأحداث واقعية يرجعون لها متى وأنى شاءوا.
من أعمالها

فيلمها الفائز بجائزة ألوان



