09 , مايو 2026

القطيف اليوم

وجوه.. حكيمة آل درويش.. فنانة تشكيلية استوقفتها بصمات منير الحجي.. وتمرّد كلود مونيه على الكلاسيكية

جذبتها الألوان مُنذ صغرها فأمسكت أناملها بالفرشاة والألوان لتعزف مقطوعة فنية تعبر عن ما بداخلها، وتكسر بها صمت اللوحة البيضاء بخطوط من ألوان مبدعة، ومنذ تلك اللحظة أيقن والداها مولد فنانة تشكيلية موهوبة في العائلة.
البداية..
عشقت الفنانة التشكيلية والمُعلمة حكيمة آل درويش الرسم مُنذ طفولتها، فكان والدها المحفز الأول الذي يشجعها دائمًا دون كلل أو ملل، ويوفر لها كل ما تحتاجه من فُرش وألوان لترسم لوحات مُبدعة، ولما لا فكان يرى ابنته فنانة موهوبة، وكانت هي تُحدّق وتتأمل في لوحاته وتصاميمه التي يرسلها للتنفيذ.
أبي ولوحاتي..
ورغم أن والدها ليس فنانًا وكان يعمل موظفًا في شركة أرامكو، إلا أنه كان مهتمًا بالفن، وكانت تراه فنانًا وقدوة لها، فمنذ نعومة أظافرها وهي تراه يصمم الرسومات المختلفة، ثمَّ يشتري الأدوات، وينفذها بمُساعدة إخوانها عبدالله وناصر في المنزل، معقبة: "صمم والدي الكثير من الأشياء في منزل عائلتنا، كـ تصميم البوابة الخارجية للمنزل، وأعمال الجبس بورد".
وتعود "آل درويش" بالذاكرة إلى الوراء لتتذكر تشجيع والدها في بداية حياتها الفنية، موضحة أن أباها كان دائمًا يُشيد بما تقوم به من رسومات، ويُردد عبارة: "إنك فنانة يا ابنتي"، مشيرة إلى أنه كان حنونًا، ويهتم بالتفاصيل الصَّغيرة، ويدعمها من خلال شراء الأدوات التي تحتاجها للرسم، ويُعلق لوحاتها على جُدران منزلهم.
وعن بداية دخولها عالم الفن التشكيلي، قالت: "بداية دخولي هذا المجال، والتعرف على أبجدياته، والإبحار في دراسة تفاصيله كانت عند دخولي الجامعة بقسم التربية الفنية، لأغرق في هذا العالم الجميل"، لافتة إلى أنَّ والدها يُعد المُعلم والمُدرب الأول الذي شجعها على الرسم.
عقبات مُبكرة..
تسببت شدة مُعلماتها خلال المرحلة الابتدائية في نفورها من الحصص الفنية رغم حبها للرسم وموهبتها الطاغية، ليساعدها والدها على تخطي هذا الأمر فكان يرسم بدلًا منها، ويساعدها على الرسم، مما عزز ثقتها بنفسها، وجعلها تتخطى هذه العقبة، وتثق في موهبتها وقدرتها على الإبداع.
معلمتي المُلهمة
"في الحياة، يحتاج الإنسان، إلى من يأخذ بيده، ويُعطيه الخيار الأفضل، ويُنير له طريقه" بهذه المفردات وصفت "آل درويش" معلمتها المُلهمة في المرحلة الثانوية والتي كان لها فضل كبير في صقل موهبتها الفنية.
وتسترجع ذكريات هذه الفترة، قائلة: "عندما انتقلت للمرحلة المتوسطة، تلاشى هذا الانطباع، الذي رافقني في المرحلة الابتدائية، والنفور عن موهبتي، التي أحببتها، فكانت مُعلمتي مُختلفة، فإنَّها تُثني وتُشجع وتُنمي المواهب، مما زاد حُبي للفن، وعندما انتقلت للمرحلة الثانوية، كان لُمعلمتي بها فضل كبير في إصراري على دراسة هذا التخصص حيث كانت تُحفزني وتُشجعني باستمرار، لما رأت لدي من حس فني".
وتُشير "آل درويش" إلى موقف لن تنساه لمعلمتها الُملهمة كوثر بزرون أثناء تكريم الطالبات المُتميزات في مادة التربية الفنية بالصف الثاني الثانوي، حيث كانت واحدة منهن، عندما استقبلتها المُعلمة بوجع تعلوه الابتسامة التي تبعث الأمل في النفوس واحتضنتها بحنان.
وأردفت أنها لا تنسى عينيها وهما تحدقان بها، وهي تتقدم ناحيتها لتهديها تذكارًا يحمل بين دفتيه عبارة كتبتها على كارت تحتفظ به "آل درويش" حتى الآن لمكانته في قلبها ولتوثيقه مرحلة عمرية مهمة لها، كان مدون عليه: "عزيزتي حكيمة، أنتِ كداخل السفينة في قعره، تعبيرك، كالزهر في رقتك، كعباد الشمس في صموده وثباته، وتطلعه إلى السماء، معلمتك: كوثر بزرون"، لافتة إلى أنَّها تعد المُشجعة والمُحفزة لها سابقًا والآن.
الفن غالب
وعلى عكس المتوقع فرغم تشجيع والدها لها على الرسم، إلا أنه كان يطمح أن تكون طبيبة، وتتخذ الرسم هواية فقط، ولكن أمام ميولها للرَّسم ورغبتها في التعمق ودراسة الفن احترم واقتنع برغبتها في النهاية، معقبة على ذلك بقولها: "الوالد -الله يحفظه-، يحترم رغباتنا، فلم يأخذ موقفًا سلبيًا منَّا إذا لم نحقق رغباته، هو تمنى أن أكون طبيبة، ولكنه احترم رغبتي، وأيضُا يحترم رغبات إخواني جميعًا".
وستُفرج
وواجهت "آل درويش" صعوبات في بداية دراستها الجامعية، كان أبرزها الانتقال إلى الرياض عقب انتهاء المرحلة الثانوية من أجل الدراسة، ومخاوفها من الغربة بعيدًا عن الأهل والأصدقاء، ولكن طموحها كان أكبر من هذا الخوف، فاتجهت إلى الرياض للانتهاء من إجراءات التسجيل.
وبعد أن قطعت تلك المسافة، كانت صدمتها الكبرى عندما أخبروها بأنَّ قسم التربية الفنية قد أغلق؛ لاكتمال العدد، فاضطرت لاختيار تخصص آخر، وكان تخصص الاجتماعيات بدلًا من الجلوس في المنزل وكانت تلك نصيحة صديقتها "خلود".
وتُعبر بألم: "كم أحسست بحُزن كبير، لقد كنت قريبة من تحقيق حلمي، الذي حلمت به على مدار سنين، ولكن فجأة تغير كلّ شيء، وبدأ العام الدراسي، لأجد نفسي أدرس تخصصًا لا تربطني به أي صلة ولا انتماء، أو شغف طموح، مرَّ شهر كامل، ولم أستطع التأقلم، ولا قبول هذا الوضع، توجهت لقسم التربية الفنية طلبًا للاستفسار عن إمكانية التحويل، لعل وعسى توجد طريقة، وفعلًا، كان هناك ثمَّة أمل، وقمت على الفور بتنفيذ الإجراءات المطلوبة، واجتزت الاختبار العملي بالرسم المُباشر أمام اللجنة، ليتحقق حلمي أخيرًا، وانتقلت في النصف الثاني إلى دراسة التربية الفنية، وكانت سعادتي لا تُوصف".
أول لوحة
تعد أول تجربة في حياة كل فنان ذكرى لا تُنسى، وذلك ما حدث مع "آل درويش"، عندما رسمت أول لوحاتها في السنة الثانية من دراستها الجامعية، وكانت تلك الخطوة الأولى في تعاملها مع الألوان الزيتية.
"اعتز بهذه اللوحة كثيرًا واعتبرها أولى إنجازاتي الفنية"، بهذه الكلمات تحدثت عن أول لوحاتها، مُضيفة: "لا أستطيع تصنيف أي لوحة أجمل!، فكلّ لوحة من لوحاتي لها أثر في قلبي، وحتى لو كانت أعمالي قليلة، فجميعها غالية على قلبي، ربما أول لوحة رسمتها ريشتي أفتخر بها، ولكن جميع لوحاتي بنظري تُمثلني".
وتحدثت "آل درويش" عن أبرز الفنانين الذين تتابعهم وينالون إعجابها، مشيرة إلى الفنان منير الحجي صاحب الأساليب المتنوعة في الرسم، والبصمة التي تُميزه عن غيره من الفنانين، وأيضًا الفنان كلود مونيه، الذي يُشبعها بأسلوبه التأثيري، وتمرّده على الكلاسيكية، وبزوغ ضربات الفُرشاة على لوحاته.
اللّقاء الأول بمُعلمتها
القدر له نوافذه وطُرقه، قد يجمعك مع أناس كانوا يومًا في حياتك لتغيب عنهم سنوات، ولا تعلم، أين هم! فبعد أن تخرجت "آل درويش" في الجامعة، وتوظفت في عام 1435هـ معلمة بالابتدائية الحادية والعشرين بالدمام لمدة 4 سنوات، عادت إلى محافظة القطيف مسقط رأسها عام 1435هـ لتكون معلمة بالمدرسة المتوسطة الخامسة بالقطيف في منطقة المحدود، وهناك التقت بمُعلمتها كوثر البزرون في أول لقاء أقامه قسم التربية الفنية مع المشرفة التربوية في العام الأول من وجودها في تعليم القطيف.
وتابعت: "لم أتمالك نفسي، أسرعت لها بخطوات يحملها الشوق، عانقتها وصافحتها، كأنّي مازلت طالبة تتعلم بين يديها أبجديات العمل الفني، فأجلستني بجانبها، ونظرة الفخر في عينيها، وعشت مشاعر جميلة أنا الآن مع معلمتي بجانب بعضنا البعض، وفي نفس التخصص، والابتسامة، تعلو ملامحنا، عرفتني معلمتي للحاضرات، قائلة: إنَّها طالبتي، واليوم زميلتي، تجلس بقُربي، وتقاسمني ذات الطريق، ألا يحق لي أن أفتخر بابنتي المُتميزة، المُعلمة حكيمة آل درويش".
وعن لقائها بالمشرفة التربوية، وصفت هذا اللقاء بـ"البداية الأجمل حيث التشجيع والتحفيز"، متابعة: "مشرفتي كان لها أثر كبير في نفسي لأصل للتميز، فبعد حضورها درسًا لي، همست في أذنيَّ، لتعبر عن مدى سعادتها بما قدمته، وقالت لي ما رأيت إلا إبداعًا، وستكونين شيئًا مميزًا يومًا ما، وسأذكرك بذلك".
مسيرة حافلة
لعل انتقالها إلى القطيف بالقرب من أهلها، وهي أمنية كلّ معلم ومعلمة، بأنَّ يستقر في منطقته بدلًا من الغُربة، ساعدها على مواصلة الإبداع، وبالفعل عملت "آل درويش" كمعلمة تربية فنية للمرحلة المتوسطة، لقرابة سبع سنوات، وتعمل الآن بالمدرسة المتوسطة الخامسة بالقطيف في سنابس، وحصلت على جائزة التميُز "معلم متميز" على مستوى منطقة القطيف عام 1439هـ، بالإضافة إلى حصولها على أربع بطاقات للتعلم النّشط.
وساهمت من قبل في إعطاء دورات فنية وورش عمل بالدمام والقطيف، كما شاركت في إعطاء دورات بحي المتعلم بعنك، فضلًا عن دورة في نادي الترجي بالقطيف لشرح برنامج البيكس آرت للأطفال، علاوة على مشاركتها في العديد من الدورات التطوعية الأخرى.
أساليب فنية مُتنوعة
تتقن "آل درويش" الرسم بمُختلف الأساليب الفنية، وتستخدم الفُرشاة والألوان، للتعبير عن أفكارها حيث تُعانق ريشتها اللوحات لتجسد كلّ ما يُثير إعجابها وترسمه، وتميل كثيرًا للفن التشكيلي المُعاصر، حيث يشدُّها المزج بين الأسلوب التأثيري والتكعيبي، والآن مع التطور والتكنولوجيا، أصبحت تميل للرسم الرقمي، خاصة كونه يمنح السهولة في التنقل، ويتيح الرسم بـ"الآيباد" في أي مكان وأي وقت، وتحرص على وضع لوحاتها في مدرستها أو منزل العائلة، لتُضفي جمالية على الأماكن التي تقطنها، فلا تجد مكانًا خاصًا بها، إلا وقد عانقته بلوحة من لوحاتها.
اترك بصمة
وفي نهاية حديثها، وجهت "آل درويش" كلمة للشباب، قائلة: "في كل محطة من محطات الحياة أترك لك بصمة، تبقى مزهرة في كلّ مكان".





error: المحتوي محمي