لقد راودتني منذ مدة فكرة طرح موضوع يتناول القطيف أيام زمان حيث استفزتني بعض الأمور للإسراع بطرح هذا الموضوع, وأنبه القارئ العزيز إلى الهدف الذي جعلني أكتب وأكتب عن القطيف حيث يستوقفني الحنين لقطيف زمان التي أحبها والذي نفسي بيده لو لم أكن قطيفية لتمنيت أن أكون قطيفية أيضا,أقول عشقي هذا وكأني فتاة خجولة تبوح بهكذا بوح.
أخذت نفسا عميقا كعمق الآلآمي ونظرت إلى القطيف على استحياء من شرفة ضيقة, فسرعان ما مر علي شريط من ذكريات القطيف القديمة, إنها أيام في مهب الريح كل يوم يذهب يلحق الركب الراحل كالعصافير المهاجرة خلف المغيب, هناك ذكريات دفينة قد دثرها الزمن, ولا يمكنني أن أقول ما بداخلي يوم أعانق إحساسي, فكبرياء كلماتي لن توازي هذا الإحساس إحساسا.
قمت من خلف مكتبي ونظرت صدفة للمرآة فوجهي يذكرني بالقهر فقلت في نفسي لا قهر يشبهني, من عادتي أن أتصفح مكتبتي كتابا كتاب ولا أجد لمكتبتي قارئ غيري, فأرجوا عدم الدهشة حيث ليس للدهشة رائحة! نسيت أن أنوه كنت زمان من عشاق قراءة المجلات على أنواعها, وبالأخص مجلة ماجد ومن لم يقرأ تلك المجلة حينها؟
ربما أكتب مقالي هذا ببعض من العامية دون أن أصرح بتعبي من الفصحى, وألتمس العذر من القراء نحن في بيتنا الكبير القطيف ولا بأس من العفوية الغير مبتذلة’ فا أنا أمام مشاعر يفوح منها دفء الحنين إلى ماضي القطيف, المدينة الساحرة ببحرها وسماءها وتراثها.
لو عاد بي الزمن لبقيت على طفولتي لنقاوة الطفولة, كثير منا يعتقد إنه فقد طفولته بشكل أو بأخر وتمنى أن تعود حتى يعيشها بكل معانيها ,وبعد أن يكبر ويعيش في الهموم يتأكد إن اعتقاده خطئا, وكانت الآمال والأماني عند الكثير فقط أيام الطفولة, وأدرك إن البعض سيقول عني عجوزا آيلة للسقوط هذا رأي البعض! إن لأيام زمان طعم مختلف ومذاق حلو نعشقه ونتذوق أصالته, كانت الحياة مفعمة بالصدق والألفة وكان للكلمة وجود, عندما نوعد بوعد كأننا نقسم على كتاب الله.
يبدو إنني بدأت أدخل حيرتي بحب قطيفية تعشق قطيفها بهذا ا لكم والكيف ليس بالأمر الهين,وبكل تأكيد المسألة ليس فيها مبالغة ولا أملك إلا أن أقول : رحم الله القطيف عرفت قدر نفسها. وبكلماتي الصادقة لا أستدرج القارئ حيث يداهمني عشقي للقطيف بلا موعد, ولأن بعض التجاوزات يفسد هواء القطيف الذي أضحى الواقع يزخر بها, ولعل سؤالا ملحا يلقي بنفسه هنا رغم عدم جرأتي على احتضان سؤالي, حيث يغافلني صوتي المبحوح ويهرب من أحبالي الصوتية متسائلة أتسخر مني يا قارئ العزيز؟ وأنا الذي تركت كل شيء لأتغزل بأرضي وعيوني ترى كل شيء هنا جميل دون مجاملة, أتريدونني الإقلاع عن هكذا غزل والقطيف من علمني الاطمئنان على هكذا عشق ! لن تسقط لحظات عشقي ولن تشيخ! ومن يعيش بالقطيف لابد أن يقع أسير حبها بلا منازع.
لدي معادلة حسابية هنا بالجمع والطرح والقسمة والضرب, أجد نفسي وفية لقطيف الخير لم أجرح أحدا على أرضها وقد تخذلني طيبتي دون ندم, ليت القطيف تدرك احتياجي إلى هدوء الماضي رغم الضحك والثرثرة واللعب, حيث أشعر بأجواء القطيف لمسة شفاء تلفني بالسعادة,أستبيحكم عذرا إن كنت قد بالغت فالحياة كانت واقعية زمان, وكان لها طعم مختلف مهما كانت الظروف ومهما مرت اللحظات الحلوة.
التقي اليوم بتلك الذكريات بحسرة وأتساءل ما لفخر والعز والمجد إن لم أذكر طفولتي بالقطيف وأفخر بها, فعند طفولتي لم أشعر بثقل الآه أبدا,أرجوكم لا تزعجكم حسراتي وتأوهاتي الصادقة, إن كنتم قادرين على الإحساس بنكهة الماضي الجميل ,أما إن كنتم مثلي فلتحاولوا أن تستعيدوا شيئا مما كان, حيث نفتقد كل شيء قديم ونراه الأجمل وكلنا بداخلنا هذا الإحساس.
سوف أرسم صورة الماضي بالقطيف بغير ألوانها الزاهية, دون تمرد على ألوان القطيف بما فيها الأبيض والأسود, وسأضعها دون إطارها الذهبي فهي دون حاجة للتزيين . الله ما أحلى أيام زمان آه عليه ليت الزمان يعود يوما وأين أيام زمان؟ الله ما أجمل القطيف زمان الخالية من السيارات ودخانها الملوث الله على القطيف بالأبيض والأسود, وحتما سنرى الإجابة من أشخاص كبار, كان له طعم مختلف في كل شيء كنا نعيش اللحظة دون التفكير في بكرة, كانت حياتنا بسيطة وهادئة آه على ما كان, الجيران أيام الطفولة بشقاوتها يا الله على أيام المدرسة, حكايات وضحك وبكاء ومرح كنا نأكل هناك ونلعب ونضحك أكثر مما ندرس بشكل غير طبيعي,حتى أيام دراستنا متعة نتمكن من اللعب قبل بداية الدرس, تعيدني الذكريات إلى مدرستي وأنا بالابتدائي وكلما هممت بعبور الشارع دون خوف, لا يوجد ما يقلقني بل الاطمئنان يرافقني طوال نهاري.
نخترق الماضي ونرى ذكرياتنا عندما أعود بالذاكرة إلى الوراء, ومن خلال ذكرياتي ألمس إن هناك صورة تتغلغل في نفسي أتذوقها وأعيش لحظاتها, هل من المعقول أن تكون هذه القلعة قبل أربعين سنة ؟وأين هي الآن؟ وأين باب الشمال وبراحة الحليب وبراحة الخيل؟استقطبت القلعة أهالي القطيف وغيرها الذين حنوا واشتاقوا للقطيف قبل عشرات السنين, ولم تبقى من القلعة الأثرية التاريخية إلا بقايا أطلال باكية على أهلها وعراقتها وتاريخها وأزمنتها, و تمضي الأيام كالمعتاد وهذا هو تحديدا ما يؤلمني حد الوجع تمضي الأيام وتخرج عن إيقاعها .
ما عاد الزمن هو الزمن وما عادت الضحكة نفس الضحكة, كل شيء تبدل وصار بعيدا عن الضجيج الصعب سهل والسهل صعب,أفتقد الحارة والجيران والضجة أيام براءتنا وطفولتنا وشقاوتنا ولعبنا وضحكنا حتى حضور أعراس زمان البسيطة أحن لها, واشتاق إلى الضجة حيث هي دون أحقاد دون أنانية دون حسد. أعشق القديم والماضي لقد تغيرت المفاهيم الآن حتى الصغير يكبر قبل أوانه.
أحزن وأحن إلى الماضي رغم قسوة الأيام وسنوات البساطة, فالرضا والقناعة والصبر كان ذلك جزء من القيم والأخلاق العفوية, ومصدرا لهدوء الروح والنفس لأهل القطيف الطيبين, أتذكر كيف كنت أنام تحت ضوء القمر وأسكن تحت السماء و أصحو على أصوات العصافير وزقزقتها.
كان رمضان الشهر الأجمل في العمر كله حيث تسجل ذاكرة القطيف الأحداث الجميلة وكان الناس كرماء وبسطاء مع تبادل أطباق الطعام للجيران,وكانت المسافة بين القلوب قريبة ما زال شوقي وحنيني إلى رمضان أيام زمان يأخذني إلى الماضي إلى قلب القطيف عطرها فواح كما رائحة الريحان والرازقي "الياسمين"أعود إليها عندما يراودني الحنين إلى الماضي حيث كانت القطيف هادئة.
كان العيد يعني لي كل شيء أرتدي ملابسي الجديدة وأستلم عيديتي من أهلي وأنضم إلى بقية أهل الحي, لنلعب قليلا ونتباهى من جمع العيدية أكثر من الباقي وكنت أكره أن ينتهي العيد,أتذكر اليوم تلك الذكريات بحسرة وأتساءل لما لم يعد للعيد طعم؟ لمَ تنتهي منا كل الأشياء الجميلة الصادقة عندما نكبر؟
كان بجوار منزلنا مسجدا صغيرا يطربني الآذان بصدق, لا يزال صوت المؤذن صداه في أذني ونسمعه دون مكبرات الصوت, ونسمعه بوضوح لصفاء الفضاء من أي تلوث, المسجد من حولنا يكبر فجر العيد الله أكبر الله أكبر وأنا أخفي رأسي أكثر تحت غطاء فراشي لأني لا زلت نعسانة.
كنت الذاكرة صدى الأيام الصادقة الرائعة هي ذكرى الزمان والمكان ارجع إليها عندما أشعر بالغربة, ويشتد الحنين لتلك الأيام والأماكن بين حين وآخر, أعود إلى الزمن الماضي إلى القطيف التي أحبها, أجد القطيف بجانبي في كل أوقات المحن, أكتشف إن القطيف الجميلة الدافئة وكأنها بيتي الكبير مبني من القلب الكبير دون حجر, أشم رائحة القطيف في كل شارع وأرى بصماته على أهلها.
من نافذة القطيف أعانق دفء شمسها مع صيفها, وكأني أتذكر إن سماء القطيف تمطر دون غيوم حرارة ورطوبة,لم أعد أطيق الحسرة حيث فقدت الثقة في زمن مضى بجماله وإن كان لابد أن أستسلم للواقع, كم أحسد العصافير التي تحلق فوق سماء القطيف والسمك الذي يسبح في مائها, أما الناس التي تعيش على أرضها فهنيئا لهم, هكذا يفضحني عشقي المباح لمدينتي.
تمنع الأحزان المتكدسة في ذاتنا أن نستقبل الفرح هكذا فجأة, بل نحن مستعدون للحزن أكثر, وعادة نفتقد كل شيء قديم ونراه الأجمل كلنا بداخلنا هذا الإحساس, ومن هنا علينا أن نتذكر ونتعرف على جوانب حياتنا, ورغم جمال ماضي القطيف لا ينبغي أن نجعل منه شمسا تشرق على أيامنا الحاضرة بمزيد من الألم والندم, ولا يمكن لروعة الحاضر وصفاته أن تغرينا بنسيان الماضي, ولكن لن أعيد وصفه أو أمارس البكاء على أطلاله والدنيا لا تقف على حال.
وأخيرا لم أعد أطيق الانتظار ورميت رأسي لوسادتي, احتواني سكونها فالانتظار فلسفة لا يعرفها إلا من أدرك إن الموت يشبه الحياة! إنها ذاكرة معطرة بورد والوفاء والولاء للقطيف المطلة على البحر وعلى الحضارة, لن أنكر فضل مدينتي في كل زمانها فالحب والقطيف ولدا من رحم واحد الجمال, فعشقي للقطيف عالما واسعا لا استطيع العيش خارجه, فليعذرني القارئ على كل شيء هنا من أخطاء إملائية وأسلوب وأفكار, فا أنا أمام القطيف أكون فوق الاستثناء.


