14 , مايو 2026

القطيف اليوم

لماذا تغير مذاق الطعام؟

الأكل وظيفة طبيعية، علينا أن نقوم بها، ومن حقنا أن نستمتع بها، ودائماً ما ينصحك علماء التغذية بألا تقبل على تناول طعامك وأنت مهموم أو حزين كوسيلة لتفريغ طاقات الإحباط الموجودة بداخلك، وألا تشغل ذهنك بأي نشاط آخر أثناء تناول الطعام كالقراءة أو البحث في قنوات التواصل أو مشاهدة التلفاز.
تعي الذاكرة الكثير مما كان يطبع زمان، كانت حياة الآباء والأجداد جميلة، عاشوا حياةً بيسر وسهولة، نقف عندها لنبحث في تفاصيلها، وبالذات لذة الطعام التي نبحث عنها اليوم فلا نجدها.
من منا لا يحب الطيبات؟ موائد وأشكال وأنواع فيه تفتح الشهية ويسيل اللعاب، تُعد بحق المتع واللذائذ التي أنعم الله عز وجل بها علينا.
• نتذكر الكثير أيام زمان، كانت أياماً لا تنسى، تلك المرأة التي تخض اللبن في بيتها، ونحن ننتظرها بلهفة، ورائحة المخضوض الممزوج بقطع الزبدة الصفراء الطافية على السطح تداعب أنوفنا، لا يمكن أن أنسى طعم اللبن الدسم والتلذذ
بشربه الذي يميل إلى الحموضة قليلاً، والاستمتاع بمذاق الزبدة المميز.
• كبار السن أخبرونا عن علب
"قواطي الصلصل المنفوخة" طعمها كان لذيذاً، وفيها حموضة وكأنها مضاف إليها خل ومعصور عليها ليمون أسود، تصدر أصواتاً وانفجارات عند فتحها تصل إلى وجه وملابس من يفتحها، وكذلك جدران وسقف البيت، فهل كانت صلصة أيام زمان أفضل طعماً من صلصلة هذه الأيام؟!
• ونتذكر أن هناك من يصر على تناول الرز الذي يظل في قدره لمدة تزيد على سبع ساعات أحياناً، وزمان كان يترك في قدره معلقاً الليل بطوله في الملالة، ليصبح الرز حامض الطعم بعد تركه كل ذلك الوقت، هم يبحثون عن الحموضة، هل نؤيد ذلك السلوك، إنني لا أريد تجربته أبداً.
في الماضي القريب كانت الحياة اليومية بسيطة.. لربة المنزل دور عظيم تجاه زوجها وأولادها، ترغب في استقرار عائلتها، فهي تقوم بأغلب شؤون البيت، وتحرص على إعداد الغذاء، تطبخه على نار هادئة، متقن الطبخ، وجيد النكهة، سعيدة بما تصنعه، فخورة وهي تستثمر وقتها وجهدها لتعيل أسرتها الصغيرة.
تجمع عائلي وأكل جماعي على مائدة واحدة العامرة بأطايب الطعام، مع بسم الله والحمد لله، منح الله العائلة البركة في الطعام، والشعور بالقوة وبطعم الحياة ألذ وأطيب.
زمان كانت المرأة تقوم بطبخ الأطعمة التقليدية والمغلفة بأسرار الطهي المتراكمة مند قرون، فن الطهي وإتقان المقادير، وتوافر شيء آخر مهم نسميه "النفس" الذي أضفى للطعام نكهة لذيذة، وقيمة غذائية عالية، ساعدت أفراد الأسرة على تخطي ما يضرهم وتحديد ما ينفعهم.

بمرور الأيام، وتغير الأحوال، فقدت الأسرة تلك الخصائص والعادات الغذائية الحميدة، والسلوكيات الحسنة، في ظل الحياة الباذخة؛ وخروج المرأة إلى العمل.
أكلات أيام زمان لها نكهة وطعماً مختلفاً، غذاء طبيعياً طازجاً، ما أحوجنا اليوم إلى تلك الطيبات، نحن الآن في عصر السرعة معظم الأطعمة مصنعة، وتُعد بطرائق جائرة مما يحول دون استذواق الطعام الذي كنا نعرفه أيام زمان.
تناول الطعام بتمهل عادة من عادات الماضي، فقدنا مذاقه حينما ساد نظام "الأكل على عجل" بالاعتماد على الأغذية المحفوظة بالتجميد، أو نظام "سخّن وكل" للأطعمة المعلبة التي يمكن التقاطها من فوق أرفف الأسواق وفتحها بسهولة وتسخينها بسرعة.
اليوم غذاؤنا عاثت به تقنيات العصر بصور شتى، فتعرض للتغيير نتيجة المعالجات التصنيعية، والإضافات الاصطناعية، فقد جزءاً من مكوناته الغذائية، وتدنت جودته، كما أن طرائق الإعداد والتجهيز أثرت على قيمته الغذائية، وأصبحت الأغذية خاوية، "عديمة الفائدة".
إن لثورة التقنيات الحديثة ضريبة يدفعها الإنسان من صحته وحياته، وما تقنيات زيادة توفير الغذاء وحفظه إلا مفردات لهذه الثورة.
قال لي أحد الأصدقاء إنه يشعر بالتعب إذا تناول العديد من المأكولات المحفوظة، فمثلاً يتعب إذا تناول الألبان بكل مشتقاتها، في السابق كنت لا أشعر بالتعب من تناول تلك الأغذية، فلا أعرف سبب التعب الآن، هل تغيرت الأغذية، أم معدتي هي التي أصابها التعب، وليس لدي حساسية من طعام معين.. اليوم بمجرد أن بدأت أغير نمط حياتي؛ تحسنت صحتي، لم أعد أشعر بالإرهاق الجسدي، وبدأت أستمتع بمذاق الطعام من جديد استمتاعًا حقيقيًا.
هناك العديد من الأسباب يمكن تلمسها والتي تقودنا إلى حقيقة التأثيرات السّلبية على مذاق
الأطعمة، فمن تلك الأسباب ما هو تقني أو سلوكي وهو الذي يتمثل في تناول الطعام المحفوظ، واستخدام طرائق الطبخ الجائرة التي أفقدت الطعام الذوق والنكهة الشهية.
فكيف - إذن - نرضى بأن نترك الأغذية التي منّت بها الطبيعة علينا بما أودعته من فوائد، لنقبل على تناول الأغذية المحفوظة التي فقدت كثيراً من خواصها، هي أقرب إلى أدوية ومستحضرات طبية.
يُقال إن الطعام أذواق ونفس وعادات، وهذا الكلام فيه كثير من الصحة، فبعض الناس يفضلون طعامًا معينًا ويُقْبِلون عليه، وإذا جلسوا للمائدة تفتحت شهيتهم وأكلوا براحة وسعادة بينما ينفر آخرون من الطعام ذاته، وهذا أمر طبيعي ويلتصق بثقافة معقدة ترتبط بالطعام والبيئة والعادات والثقافة والأعراف الاجتماعية.
هناك شواهد عديدة تربط الغذاء ونوعه وطريقة تقديمه والأجواء المحيطة به، قلة الاهتمام بالجوانب التغذوية بسبب الإيقاع السريع، والضغوطات الحياتية، مما جعل إقبال الناس على تناول الطعام بلا رغبة ولا طعم، فقدنا التلذذ به، وبدأت النفس تعافه، لجأنا لمثيرات الشهية لفتح الشهية عنوة، فأدى كل ذلك إلى حرمان الجسم من الاستفادة بالقيمة الغذائية.
يُوصى بأن نختار ما بين النعم التي جاد الله بها علينا من اللحوم والأسماك والفواكه والخضراوات في صورتها الطازجة، إنها بلسم مجهول الفوائد عندنا.. وكنوز من الصحة والمذاقات الشهية في غذائنا.
في الماضي تُطبخ اللحوم بعد ذبح الحيوان مباشرة، والأسماك بعد صيدها، والفواكه نأكلها في موسمها، نجد فيها الطعم المستساغ، وحسن المذاق، والنكهة الطيبة، والجودة، والقيمة الغذائية العالية، واليوم نجدها في الأسواق بصورة بائرة، ذابلة، باهتة، شبه متحللة، بل أصبحت عديمة المأمونية.
الأسماك سريعة الفساد، بل إنها أسرع فساداً من بقية أنواع اللحوم، والسبب في هذا يعود إلى أمرين؛ الأول سرعة غزو البكتيريا بمجرد خروجها من الماء، والثاني أن بروتينات السمك توجد بصورة سهلة التحلل.
مراحل تداول الأسماك والروبيان الطازجة طويلة مما يقلل من فترة صلاحيتها، فقد تتجاوز الـ5 أيام، لتصل إلى المستهلك الذي بدوره يدخل في دوامة الحفظ والتخزين السيئ، من هنا فإن إطالة فترة التداول لهذه النوعية من الأغذية، جعلها عديمة الطعم والنفع، ويصعب إعطاء جملة واحدة لمسألة عدم فسادها، بل أصبح خطرها ماثلاً للعيان.
• يجب ألا تزيد مدة صلاحية الأسماك الطازجة المبردة على سبعة أيام من تاريخ الصيد.
مواصفة قياسية خليجية "الأسماك المبردة" رقم GSO 380 / 2012.
ربما اللحوم والدواجن لن تكون بأفضل حالة من الأسماك، فحجم التجاوزات التي تحدث في هذا المضمار، والمداهمات من قبل الأجهزة الرقابية المعنية؛ أدت إلى فقدان الثقة بصلاحية هذه الأغذية لدى المستهلكين.
تتعرض الفواكه إلى عملية تسريع الإنضاج، كوسيلة تسمح بتواجد كل أنواع الفواكه الموسمية في كل أوقات العام، ورحم الله أيام زمان حيث كان أجدادنا يتناولون الفاكهة في موسمها "فاكهة صيفية، وفاكهة شتوية"، كان لونها وطعمها ورائحتها الزكية لا تبلى ولا تفنى بسرعة، متماسكة في قوامها، ومحافظة على شكلها وقيمتها الغذائية.
أغذيتنا مبردة ومجمدة ومفرزة، حقاً إن جيلنا شب في العصر الجليدي ! جيل لا يستمتع بطعم الغذاء الطازج.
ختاماً، تتفتق الذاكرة عن أحاديث جاذبة عن ماضينا وحياتنا.. حسرة وأنا أستعيد شريط ذكريات الطفولة في مخيلتي؛ لأكتشف المشاعر النبيلة كيف تسمو بنا إلى الكمال، كنت دائماً أجد في جدي "لأمي" رحمه الله، الصدر الحنون والدرع الذي يدافع عني دائماً، كان يبهجني دوماً، لا تزال حبات الكازو اللذيذة والرائعة التي يخرجها من جيب صخمته البيضاء "السديري"، وأظل أمضغها وأستمتع بطعمها طوال اليوم.
أتمنى أن تعود لي الآن تلك الشهية التي كنت ألتهم بها كسرة الخبز اليابسة وأجدها ألذ من الشهد.
ما أجمل تلك الأيام ! أظن أنني فقدت حاستي الشم والتذوق، ولم أجد في طعامنا اليوم تلك الشهية التي أبحث عنها!
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.


error: المحتوي محمي