05 , أبريل 2026

القطيف اليوم

من التوبي.. الميلاد: بثلاث حصيات ولدت جدارياتي.. ونقوشي وجبةٌ بلا إيدام

لم يكُن يتوقّع أنَّ سبيلَ الماء أمام مزرعتهِ بمنطقة التوبي، وثلاثَ حبّاتٍ من الحصى المعروف بالكنكري، ولعب أطفالٍ بريء، سيجعلُ من مزرعتهِ لوحةً فنيةً تخطفُ أنظارهم وتدهشُ ألبابهم، بل وتُحوِّل كلّ تلك الجدران الصامتة بداخلها وخارجها إلى تحفةٍ ناطقةٍ بالجمال والإبداع والابتكار، بل والتفرُّد أيضـًا في نقوشها وزخارفها وشعبية صورها ورسوم حيواناتها وطيورها وألوانها المختلفة التي امتزجت وتناغمت بصورةٍ لا تستطيعُ أمامَها إلا أن تحبسَ أنفاسك مندهشًا من ومع حكاية السبعيني الحاج إبراهيم الميلاد ولوحاتهِ الجدارية، فكيف كانت البداية؟
سبعون عطاءً
ينتمي الحاج إبراهيم الميلاد لجيل الطيبين، فهو من مواليد 1372هـ بمنطقة التوبي، ومارسَ عددًا من الأعمال المختلفة، فقد عمِل بنّاءً لفترةٍ من الزمن، حتى تنبّه لما ميّزه الله بهِ في نِجارة البناء، فترك البناء وتحوّل للنجارة، وكان يحصل وقتها على الألواح الصناديق الخشبية بـ3 ريالات للصندوق، فينجرُ بها ما شاء من منجورات، ثم انقلب لفترةٍ من الوقت لبيع اللحوم المشوية، حتى التحقَ بعدها بالقطاع العكسري وعمِلَ في الدفاع المدني لحين تقاعده منه.
وقد بدأت هوايتهُ منذ الطفولة، فقد كان يقوم بصبغ الدراجات والسياكل المصنوعة من العصا بلونٍ مختلف عن بقية أقرانه ولو بأي شيء آخر مميز عنهم، ولكنّها ظهرت بصورتها الحالية وطريقة الأصباغ والنقش بعد تقاعدهِ من الدفاع المدني.
ثلاث حبات
بدأت قصة جدران مزرعة أبو خليل الناطقة بإبداعه، والواقعة بالقرب من حمام أبو لوزة الأثري، بقدوم مجموعةٍ من الأطفال لشرب الماء من السبيل الذي وضعهُ أمام باب مزرعتهِ للعابرين والمارة، وكان بجانب هذا السبيل جدار مصبوغ بمادةٍ ملوّنة يملكُها في مزرعته، قوامُها أشبه ما يكون بقوام المعجون الذي يُباع في وقتنا الحاضر للأطفال، وقد مسحَ بها الجدار الذي بجانب سبيل الماء ليجعل منهُ لافتـًا لكلّ من يمرُّ أمامه.
اندهش "الميلاد" بعد انصراف الأطفال ممّا رآه وما فعلوه، فقد أخذوا ثلاث حصياتٍ من الأرض وألصقوها على ذلك الجدار الملوّن بطريقةٍ جاذبة، فأُعجب بما رآه وبما لم يخطر على بالهِ مسبقًا، فقد كان يعملُ بهذهِ المادة من قبل بتلوين جدران مزرعته، ولكنّه لم يكُن منتبهًا أو مطّلعًا لما قد يستفيدهُ منها غير التلوين، وكانت الصدفة وحدها بقدوم الأطفال في ذلك اليوم ولعبهم ممتزجةً مع هوايةٍ طفولية قديمة مفتاح ابتكاره.
البصمة الأولى
أخرج الأطفالُ من عقل "الميلاد" فكرةٍ جديدة لديه، تحدّث عنها لـ«القطيف اليوم» قائلًا: "بعدما أدهشني الأطفال بما فعلوهُ بالحصى، فكرّتُ أن أحوّل من هذا اللهو الذي تركوهُ مكانًا جميلًا للجذب ولفت الأنظار لسبيل الماء، فأخذتُ الحصيات وشكّلتُ المكان بها، وعملتُ قوسًا فوق السبيل ليصبحَ أجمل، ثم ارتأيتُ أن ألوّنهُ ببعض الأصباغ؛ ليبدو لافتًا أكثر".
وتابعَ: "أكملتُ بعدها العمل التجميلي بعدما راقَ لي، وبدأتَ بالنقش على جدران المزعة بداخلها وخارجها، ولم يكن هدفي حينها أن ألفت أنظار الآخرين وأستقطبهم لرؤيته، وإلا لرأيتم المكان أكثر إبداعًا وتفننًا، ولكنّهُ كانَ عملًا ذاتيًا بحتًا، فالعمل يطوّر الإنسان ويدفعهُ لما لا يتوقعّهُ ويخلقُ الخيال في نفسه، والمسألة كلها أيضًا ترجع لحبّ العمل الذي نؤديه والإتقان فيه، فتوفر الألوان مثلًا لا يجعل العمل جميلًا إن لم يكن هناك إتقان في تجانس الألوان وتناغمها مع بعضها.
مزرعتي الخاصة
لم يختر "الميلاد" مكانًا خاصًا يظهرُ فيه مواهبهُ، فقد حصل الأمرُ صدفةً معه، فكان المكان مزرعتهُ الخاصة، حيثُ تفننّ على جدار مزرعته بما يقارب الـ70 مترًا طولًا، بارتفاع 6 أمتار تقريبًا، وهو ما دار عليه العمل الذي امتدَّ لأشهرٍ عديدة، تتقلّص فيها ساعات العمل اليومي لساعتين، أو تتزايد بحسب مقدرتهِ الجسمية نظرًا لكبر سنّه، وبحسب رغبتهِ ومزاجهِ كذلك في العمل، وظروف احتياجات أسرتهِ ومتطلباتهم، فأحيانًا قد يعمل اليوم بأكمله، وأيامًا أخرى لا يعملُ.
أدوات
تنوعت الأدوات التي استخدمها أبو خليل في إنتاج هذا الحائط الفني؛ ما بين الحصى الصغيرة المعروفة بالكنكري، وقطع الرخام المكسّرة، وأغطية العلب البلاستيكية، وخرز المسابيح، والألوان الإضافية، وبعض الإضافات الجمالية الطبيعية، أو ممّا شراهُ من الأسواق، وما قام بابتكاره بنفسه، أو بما يفيضُ من حاجياتهِ معيدًا تدويرها، وقبل ذلك كلّه ريشتهُ التي يضربُ بها نقوشهُ المختلفة.
بينما اعتمدَ في أصباغهِ على ما يسميها كبار السن الأصباغ النارية المعروفة عند جيل اليوم بالصبغ الطاري، حيثُ يكون الصبغ من الدرجة الأولى الذي يُصبغ به الجدار مرة واحدة فيمتصهُ الإسمنت، ثمّ يتمُّ بعد ذلك تقريره؛ ليتحمّل حرارة الشمس، ويصبح بالإمكان بعد ذلك غسلهُ وتنظيفهُ دون خوف.
رأيٌ وصعوبات
اندفع "الميلاد" للعمل على ذلك الحائط الإسمنتي الذي لم يكن متساويًا أو ممسوحًا معتمدًا على ذاته، وبمساعدةٍ كاملة من خياله وبنات أفكاره، فحائطهُ الفني هو محض عمله الخالص بالرأي والتنفيذ دون مساعدةٍ ممّن حوله، ومع كلّ الصعوبات التي واجهتهُ، خاصة لصعوبة العمل ودقتهِ في النقش والتركيب، إلا أنّ الرغبة الداخلية لديه وهواهُ لهذا العمل ذللّها كلّها أمامه، إضافةً إلى كونهِ عملهِ الخاص الذي يزاولهُ وقتما يشاء دون حسابٍ من أحد.
دفعهُ هذا الحُبّ أيضًا لعدم الضغط على أولادهِ بممارسة ما يمارسُ من هواية، لكنّهُ على استعداد لإسداء النُصح وتقويم أي خطأ قد يقع فيه أحد أولاده لو مارس هذه الهواية كأبيه، كما حصلَ مع أحد أبنائه حينما طلبَ منه تزيين موقف السيارة الخاص به.
ابتكارٌ آخر
وحول إنجازاته الأخرى في غير مزرعتهِ، ذكر الميلاد ما يفكّر فيه: "عندما تنتجُ عملًا مكررًا فأنتَ لم تنتج شيئًا ولم تبدع، بل أنت تنقلهُ فقط، ولذلك تراني أقصرتهُ على مزرعتي، وجعلتُ النقش الداخلي مختلفًا عمّا نقشتهُ بالخارج، وكانَ الأمرُ كلّهُ ذاتيًا بحتًا لم أطمح فيه لشهرةٍ وجذب، وربّما لو علمتُ أنّهُ سيكون رائقًا للمجتمع لأبدعتُ أكثر من ذلك".
وأردفَ قائلًا: "إنّني أشعرُ الآن بأنني قدّمتُ وجبةً لكم ولكنّها من غير إيدام، فقد أنتجتُ العمل بخيالي وأفكاري الخاصة المختلفة عن نظرة الناس وخيالاتهم، وحتى الرسومات التي نقشتُها لم أهدف من خلالها لرموزٍ معينة، فالناس هي من تضع لها الرؤية الخاصة بها، وجيلُ اليوم لهُ نظرةٌ مختلفة عن نظرتي أيضًا، لكنّ الإتقانَ وحدهُ في عملي هو الذي جذب الناس والأنظار".
مسك
وختمَ "الميلاد" حديثهُ بأنّهُ ما عمِلَ للشكر مطلقًا، وإنّما للنفع، فهذهِ الأجيال تستفيدُ وتنتفع بما تراه وتطوّره للأفضل أيضًا، ولا مانعَ لديهِ أن يقدّم نصائحهُ وخبراته لمن يمتلكُ شيئًا من هذا الفنّ أو يسعى إليه، ولكنّهُ في ذات الوقت لا يمكنهُ أن يقدّم دوراتٍ تدريبية ودروسًا خاصة؛ فهذا الفنّ خيالٌ خاص بصاحبهِ وموهبةٌ لا تصنعها الدورات التدريبية.


error: المحتوي محمي