22 , مايو 2026

القطيف اليوم

الجنبي: القطيف موغلة في القدم.. ومضر لم تذكر في كتب التاريخ.. وهذه حقيقة رشالة والحليلة

"إن الجنبي يمثل قامة أدبية وثقافية وتاريخية كبرى في البلد وسيكون له شأن وذكر وصدى تاريخي قديمًا وحديثاً، هذا التاريخ محفوظ ومنقوش باسمه لعقود زمنية طويلة".. بهذه الكلمات دشن الدكتور عبدالله العبيدان أمسية ملتقى سدرة الثقافي أمسيته الحوارية التي استضاف فيها الأديب والباحث التاريخي عبدالخالق الجنبي.
ولم يترك المحاور فرصة إلا انتهزها ليقطف من ضيف اللقاء في رحلة البحث عن الحقيقة ثمار الوقت الثمين لتتحول سلالاً امتلأت بالمعرفة الثقافية والتاريخية الملفتة التي كانت من نصيب الحضور بلا شك، والتي أخذهم فيها إلى حيث ألوان الجغرافيا وسبر عمق التاريخ بمنعطفاته المختلفة، الخافتة أحيانا والمضيئة أحيانا أكثر.
بدأت الأمسية بالحديث عن جانب من حياة الباحث الجنبي، وهو من مواليد قرية القديح في التاسع من ربيع الثاني عام 1384 هجرية، وتدرج في دراسته حتى الدراسة الجامعية، وفي البدايات الأولى لتوجهه الأدبي والمعرفي أفاد بأن جدته لأبيه الحاجة رضية كان لها الدور الأول في صقل توجهه عندما كان ينام في كنفها ويلتف بحنانها، وتناغيه بقصص ما قبل النوم وعن فارس تلك القصص وهو الإمام علي عليه السلام وعن شجاعته وبطولاته مع بعض الشعر الشعبي وبأسلوب شيق جداً الذي شغف به ثم شغف بالأدب والشعر والمعرفة والتاريخ بالذات حيث بدأت بالإمام علي وتوسعت إلى شتى أنواع المعارف التاريخية.
وبدأ شغفه بالشعر والذي يعد محطة من محطاته، منذ الطفولة وتدرج حتى أصبح شاعراً ملتحقًا بمنتدى الغدير الأدبي الذي كان يضم نخبة من الشعراء صقل فيها موهبته الشعرية بتوسع مما جعله ينظر للحياة مع الشعر نظرة شاملة بتنوعها، وبجمالها وألمها وحزنها وفرحها، وبتضادها وتقلباتها..
وتحدث عن تجربته مع منتدى الغدير، حيث اعترف بأنه مدين للمنتدى وللشعراء الذين عرفهم فيه والفائدة الكبيرة التي جناها، والتي أخذته لنظرة مغايرة أفضل للشعر وتنوعه خلافاً لما كان عليه في بداياته الشعرية منوهاً بدور النقد وضرورته في تطور الشعر والحركة الأدبية والثقافية عموماً.
وعرج المحاور إلى الحديث عن المنعطف التاريخي في حياة الضيف الكريم ليسأله عن بدايات اهتماماته في هذا الجانب المهم والمنسي عند الكثير، حيث أجاب بأن الشعر هو ما جعله يهتم بالتاريخ فعندما بدأ قراءة الشعر وخصوصاً القديم وما قبل وبعد الإسلام والعصرين الأموي والعباسي تفاجأ بوجود مسميات كثيرة لمناطق معروفة في بلده الذي ولد فيه، فبدأ يهتم بقراءة كتب التاريخ للاطلاع أكثر على تاريخ بلده وارتباطه بالمحيط القريب والبعيد من الأقطار الأخرى، فصار لديه شغف بقراءة الكتب حتى امتلك خارطة ذهنية واسعة ساعدته على التأليف بسهولة ويسر.
وعرّف التاريخ، قائلًا: "إن التاريخ هو الحقيقة المجردة من الأهواء ولا شيء غير هذه الحقيقة، حتى لو كان مؤلماً، أو يسبب تأليباً للرأي العام أو يجر غضب الأحبة والمعارف وكمثال على ذلك ما بيّنه عن قبر الأوجام وأنه ليس للنبي يسع فقامت زوبعة بسبب ذلك قبل أن تخفت الآن".
وأجاب عن سؤال حول العقبات والمصاعب التي تواجهه في عمل البحث التاريخي في المنطقة قائلاً: "بداية إن رعيلنا الأول لم يتركوا لنا مصنفات يعتمد عليها رغم وجود التراث القطيفي الجيد ولكن كله في علوم محددة وبالذات الفقهية والأصولية وما في سياقها، والبحث يعتمد فقط على كتب بعينها، بعضها شعري وهي كتب حديثة نوعاً ما أيضاً".
وتابع: "الأمر المتعب الآخر هو صعوبة الحصول على المعلومة عن المنطقة، فعليك أن تقرأ مئات الكتب أو أكثر لتخرج خمس معلومات صحيحة أو أقل من ذلك، ولكن على الباحث في التاريخ عدم اليأس رغم العمل المضني، فالتاريخ ولّاد، ولا يزال ينتج، والدليل أنه بعد تنظيم وفهرسة الكثير من المكتبات العالمية صار من السهل كثيراً إجراء عمليات البحث عن المعلومة.
وأوضح أنه شخصياً اعتمد في بحثه التاريخي على ثلاث مصادر، أولها الكتب الشحيحة والنادرة التي اهتمت بتاريخ المنطقة، وثانيها هي المكتبة العربية العامة، أما المصدر الثالث فهو الجانب التحليلي، ففي ظل شح المعلومات والبيانات لابد من اللجوء إلى الأسلوب التحليلي في كتابة التاريخ.
وعن القطيف وعما إذا كان لها موقع في التاريخ أجاب بأن للقطيف فعلاً تاريخاً عريقا يرفعها إلى مصاف الحضارات في المناطق المجاورة مثل العراق ومصر، ودرة هذه الحضارات هي جزيرة تاروت والتي يعدها مقبرة آثار، وأعطى مثالًا على ذلك وقال: "إن التاريخ ليس ظاهر قلعة تاروت، ولكنه في أسفلها، حيث توجد مدنية أولى وثانية وثالثة فوق بعضها مما يعني وجود أربع مدنيات على بعضها، وقد فصل الكثير من المعلومات عن بعض الحضارات التي استوطنت المنطقة"، وأكد في سياق الحديث أن القطيف التاريخية تمتد من الأحساء جنوباً إلى منطقة الخفجي شمالاً.
وانتقل إلى الحديث عن القديح كونها بلدته ومسقط رأسه وأنها فعلاً في موقعها الأصلي وهو الموقع الحالي وأن اسمها هو نفسه وقد ذكرت في قانون "ناما" وهو قانون إحصائي أقره الاحتلال العثماني لإحصاء معلومات عن القرى والبلدات من حيث عدد السكان ومقادير المحاصيل الزراعية المتنوعة بغرض الجباية والذي ربما يعني تصغير قدح أو أن غالب سكانها يصنعون الأقداح الفخارية.
وأما عن مقابر الحليلية ورشالة والحريف فهي عبارة عن قرى صغيرة خارج القديح المسورة والتي تقع بدورها من القديم ما بين حسينية الناصر وعين الشرابية.
وفي جوابه عن أصل كلمة مضر التي التصقت بالقديح أفاد الضيف بأن الكلمة ليس لها ذكر في كتب التاريخ، وما لدينا هو فقط السماع الشفاهي والذي يقول إن مضر هو رجل كان يعيش غرب القديح مع أخوين اثنين أحدهما شيبان الذي ذهب للتوبي ومنه صار نسل التوبي، وهذه قصة غير ثابتة، وعن رأيه الشخصي قال: "إن آل مضر هي كلمة النداء التي كان سكان القديح يتنادون به مثل ما جاورها من قرى فالتوبي مثلا نداؤها يا آل شيبان والعوامية يا آل عوام".
وتابع: "في العموم ينحدر أغلب سكان القطيف من ربيعة والتي منها عبد القيس وبكر ابن وائل وتغلب، ومضر وهو الاسم الذي تنسب له القديح لأن سكان القديح قبل الألف الهجري كانوا كلهم من مضر وليس من ربيعة، ولعل السكان الذين دخلوا القديح في القرن العاشر كلهم من بني مضر، فكانوا يميزون أنفسهم بهذا الاسم".
وأسهب في ذكر مقبرة رشالة بالذات وأنها كانت قرية قائمة بذاتها وكانت مشهورة بصناعة الفخار، وقد ذكرها الشيخ جعفر الخطي في ديوانه (ت 1028هـ) حين قال لأحد الأشخاص هاجياً:
فاقتلع من رشالا الطين متخذاً
منه الجرار وعش في الخط جرار.. مبينًا أن جرار يعني يبيع الجرار.
وعن اختلاف دفن الموتى بين العوائل حيث البعض يدفن في مقبرة الحليلة والبعض في رشالة وهما المقبرتان الرئيسيتان في القديح، عول على ذلك بأن الأهالي من الأصل تعودوا دفن الموتى بجوار أقاربهم ابتداء من الآباء أو غيرهم من القرابة واستمر الأمر على ذلك حتى الآن.
وحول الموثوقية التي يعتمدها في البحث التاريخي وعلى أي منهج علمي يرتكر فيما يقوم به من بحوث للوصول للحقيقة بشكل دقيق أجاب بأنه قبل كل شيء على الإنسان الذي يكتب في التاريخ أن يكون لديه مخزون هائل من المعلومات في خارطته الذهنية حتى يتمكن من التحليل المنطقي والعلمي وربط الأدلة والمعلومات بعضها ببعض.
وتحدث الضيف في المحور التالي عن الكاتب والكتابة التاريخية وقال بأن البحث والكتابة التاريخية في المشروع الحضاري هي جبلة عند الناس، والبحث أساساً هو من أجل أن تبقى الجذور القديمة، ويبنى عليها تتالياً، وأيضاً من أجل الوصول إلى حقائق جميلة ورائعة وواقعية يمكن أن يكون لها شأن عظيم في حياة البشرية، والتاريخ أصل ولابد من معرفة الأصل والأصالة، والاعتزاز والفخر بها.
وفي سؤال عن ماهية الكتابة وبالذات التاريخية وكيف يجب أن تكون عليه أجاب بأن التوثيق هو أهم عنصر في الكتابة التاريخية بإثبات المصادر والمراجع حتى يمكن أن تكون الكتابة موضوعية خالصة، يضاف لذلك أن على الكاتب الباحث في التاريخ معرفة ما يريد أن يكتب وما هي الأبواب المتعلقة بالمراد كتابته، وأن غير ذلك يعتبر عشوائية سواء قلّت أو كثرت.
وعن امتهانه الكتابة كوسيلة وعدد الكتب التي ألفها في مضمار البحث التاريخي ذكر أن أول توثيق كان من خلال البحوث، إضافة لرسالة اسمها رسالة المسجد تضمنت أول كتاباته وهو بحث عن الشيخ إبراهيم القطيفي، ثم تطور الأمر حيث بدأ طبع الكتب وكان أولها طبع ديوان ابن المقرب، وقد وصلت مؤلفاته المطبوعة حتى الآن إلى أربعة عشر مؤلفاً.
وتحدث عن بداية ظهوره الإعلامي كباحث ومؤرخ وكيف وجد التجربة وكيف تطورت وما الذي أضافته له وما الذي أخذت منه، وقال إن البداية كانت من خلال تعليق كتبه في جريدة الجزيرة على كلام كتبه حمد الجاسر رحمه الله يذكر فيه ابن المقرب وديوانه حيث احتوى كلامه على بعض الأخطاء غير المقصودة فكتب مقالاً اعترف الجاسر بصحته وخطأ ما كتب، وهو ما شجعه أن يمضي قدماً في الكتابة، وأيضاً تمت مقابلته من أغلب الإعلام المرئي والمقروء حتى الحديثة منها.
وكان آخر سؤال وجه إليه هو: هل النبي محمد قد زار القطيف أم لا؟ فأكد الباحث ذلك حيث ذكر أنه يوجد حديث في كتاب الصحابة لأحمد بن حنبل فضلاً عن مسنده عن أن الرسول عندما جاءه وفد عبدالقيس توجه لهم بسؤالهم: أي هجر أعز؟ فقالوا المشقَّر، ثم قال لهم أي الخط أعز؟ بمعنى أي مكان في الخط أعز، قالوا الزارة، قال أما والله لقد رأيتها ووقفت على عين الزارة على الحجر من حيث يخرج الماء، بمعنى أن الماء كان يخرج من حجر، وقد أكد الباحث أن المراد بالحجر هو جبل الحريف لأن العين الوحيدة التي تخرج من جبل أو حجر هي عين الحريف فقط، وسواها تنبع كلها من طين أو أرض عادية " تقع بمنطقة جبل الحريف وعين الحريف بين العوامية والقديح إلى الشرق"، وللأسف صارت تلقى المخلفات في هذه العين رغم أنها محاطة بسور من قبل البلدية.
وذكر أنه يوجد أحد المهتمين الباكستانيين بالآثار النبوية زارها وزار الباحث الأجنبي نفسه وتألم من حالها، وقد صور عنها فيلماً موثقاً وموجوداً في الإنترنت، وتمنى الباحث المحافظة عليها لأنها مكان وقف عليه أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال إن هذا الأمر راعته البلدية حيث كان سيمر على العين أحد الشوارع الحالية مما يعني ردمها وعندما بينوا لهم مكانة وأمر العين غيروا مسار الشارع وأبقوا على العين كما هي.
وختم أمسيته بكلمة أخيرة حيث شكر الدكتور عبدالله وإخوانه في ملتقى سدرة، وإتاحة الفرصة له للقاء بجمهور الحاضرين، وتمنى منهم أن ينتبهوا في قراءتهم للتاريخ وألا يقبلوا كل ما هب ودب مما يُكتب في التاريخ، ولا يقبلوا أي شيء من دون توثيق وذكر المصادر.


error: المحتوي محمي