02 , أبريل 2026

القطيف اليوم

المصلي: عائلتي تحتفظ بصور عمرها 8 عقود رغم تحريمها.. وجمعي الأشياء انتهى بمتحف

في محراب الفن والثقافة، التاريخ والتراث، شهود على عشقه وفخره بجزيرة تاروت، وتاريخ الأجداد، وفنونهم، وعماراتهم، وحرفهم، يحتفظ بذلك العشق في آلة قديمة، أو تحفة عتيقة، أو حتى قصاصة ورق بالية، جمع العشق على العشق حتى أنشأ متحفه الشخصي.

الفنان والناقد التشكيلي محمد إبراهيم عيسى المصلى؛ دليل حي تتزاور عليه الأجيال، ويجذب له السياح، رحب بـ«القطيف اليوم» وهو يصطحبها في جولة داخل متحفه الخاص، الذي يعد علامة سياحية لزوار وساكني القطيف، ومن كل المناطق.

التاريخ يحكي
اسم «محمد المصلي»؛ دون مبالغة، تاريخ يحكي قصة فنان، عاش مخلصًا لفنه، مجددًا في هذا الشغف، فأنشأ متحفًا خاصًا، جمع فيه روائح الزمن الماضي، بتفاصيل كثيرة اندثر بعضها، والبعض الآخر، توارى من وحشية المدنية الحديثة، وهو أحد خريجي معهد التربية الفنية في الرياض، وناقد تشكيلي، ومهتم بالتراث، وخاصة تاريخ وتراث جزيرة تاروت، كما أنه نائب مدير جمعية الفن التشكيلي بالمنطقة الشرقية، ألقى عدة محاضرات عن الفن في تركيا، ولبنان، والمغرب، وآخرها في أذربيجان، ولديه كتابات كثيرة في النقد التشكيلي والتراث الشعبي، وأقام عدة معارض في فلوريدا، وأوريجون، والدمام، وجدة، والآن يجهز لمعرض في كندا وآخر في الشارقة.

القصة من البداية
يحكي المصلي قصة بدايته مع المتحف، والتي تعود إلى شغفه منذ الصغر بالاحتفاظ بالأشياء، ويقول:" كنت في صغري أجمع الأشياء المتشابهة، وتطورت بعد الدراسة في المعهد، وأصبح لي اهتمام بتراث المنطقة، وأنشأت المتحف بأقسامه، حتى بنيت البيت وأصبح الحلم حقيقة".

وعن أهم المقتنيات يقول: "لوحاتي هي أهم القطع، عادة أعمال الفنانين هي التي تخلد، وفي المتاحف لوحات تعود لـ500 سنة، فالأعمال الفنية كلما مضى الزمن كلما أصبحت قيمتها أكبر".

وأضاف: "أنا من الفنانين الذين يعتبرون كل لوحاتهم بذات القيمة، واعتبر كل لوحاتي ثمينة حتى لو كانت على قطعة قماش صغيرة، منوهًا إلى أن معظم القطع لها قصة، ومنها الكمبيوتر المتنقل الذي يعود عمره لأكثر من 45 عامًا".

صعوبات
لا يخلو أي إنجاز تسعى لتحقيقه من وجود صعوبات قد تواجهك، وعن الصعوبات التي صاحبت فكرة المصلي في إنشاء متحفه، قال: "أبرز الصعوبات كانت في الحصول على مكان يحتوي هذا الكم من المقتنيات وتصنيفها، وخلال هذه الرحلات والتنقلات فقدت أشياء ثمينة، وفي الوقت الحالي بعض الزوار يلمسون الأشياء، أو يغيرون أماكنها، لذلك لا أستقبل بعض الطلاب لهذا السبب".

سرقة وضياع
ولم يسر إنشاء المتحف بسهولة كما يظن البعض، فالفنان المصلي أوضح أن هناك قطعًا كثيرة ضاعت أثناء النقل، أو تعرضت للسرقة، ومنها لوحة سرقت عام 1395هـ، ومعرض تمت سرقته بالكامل، وفي الخبر والدمام لوحات ضاعت، ولم يتم العثور عليها، وقال: "أتألم كثيرًا ولأيام، إذا تذكرت ما خسرت من وثائق أو أشياء".

الوثائق
يقسّم المصلي المتحف إلى عدة أقسام، ولكنك تلمح احتفاءً خاصًا، بالعم "أحمد"، الذي نجده حاضرًا في كل أقسام المتحف، وهو أول مبتعث من المملكة إلى الولايات المتحدة، فقيد الطائرة التي راح ضحيتها قبل 53 عامًا، ففي قسم الوثائق تجد صورًا خاصة به، وكتابًا كاملًا عن حياته، ومنجزاته، وبصماته في القطيف.

ويضم قسم الوثائق أيضًا؛ دفاتر يعود بعضها للفنان منذ أكثر من 55 عامًا، وإحدى اللوحات التي يتم تدريسها في منهج التربية الفنية للبنات بالصف الثالث المتوسط، وأخرى في منهج الابتدائي، ومجلدًا يضم مشاركاته في المعارض الفنية على مدار 40 سنة.

المؤلفات
بعد أن تغادر قسم الوثائق تصل إلى قسم المؤلفات، وهو يتضمن مجلدًا عن تاريخ عشيرة المصلي، ووثيقة عن عائلته تعود لأكثر من 220 سنة، ومؤلفاته عن معوقات التربية الفنية، وآليات التربية الفنية وغيرها، كما أن هناك رفًا خاصًا بمقتنيات الجد عيسى المصلي، وصورًا لزوار المتحف من أجانب وعلماء وفنانين تشكيليين.

قسم الوالد
اهتم والد الفنان المصلي الحاج المرحوم إبراهيث عيسى المصلي بالتاريخ، وربما عادته في الاحتفاظ بالأوراق والمستندات، والحفاظ على المقتنيات، سهلت على الفنان فكرة إنشاء المتحف، وللحاج عيسى قسم خاص، يقول عنه الفنان: "كانت لديه خبرة كبيرة، تعود لما قبل الحرب العالمية الثانية، وكتبت نقلًا عنه مئات الصفحات عن عائلة المصلي، كما يحتفظ بوثيقة عن شركة كهرباء تاروت، ووثائق عن دخول المياه، وتليفزيون قديم يخصه، وصور وحكايات عن حرف العائلات في تاروت".

والمتجول في ذلك القسم سيلاحظ ميزة خاصة بعائلة المصلى؛ هي احتفاظها بصور تعود لأكثر من 70 -80 عامًا، رغم أن هناك حقبة في تاريخ المملكة، كانت الصور فيها من المحرمات.
البحرية
في ركن آخر من المتحف، يوجد قواقع بحرية وقطع من المرجان، إلى جانب بعض أدوات الصيد، والأقفاص الصغيرة لصيد الأسماك (القراقير)، وعن هذا الركن يقول المصلي: "كثير من الحرف التي نعرض أدواتها في المتحف قد انقرضت الآن، ولا يعرف عنها الأولاد والبنات إلا من خلال زيارة المتحف".
الحرف اليدوية
وتتنوع الحرف اليدوية التي يضم المتحف أدواتها؛ كحرفة الحداد، والصفار، كما يحتضن صورًا لأحد المصانع في المنطقة الشرقية لصناعة الورق والنايلون.

ويمكن للزائر أن يلتقي بمجموعة من أعمال الخوص وسعف النخيل، مما جادت به هذه الأرض الزراعية الخصبة، ومن بين هذه المنتجات سلال الخوص، التي تستخدم لحفظ الحاجيات المنزلية والملابس، إلى جانب «الحُصُر» المصنوعة من الخوص، و«المديد» المصنوعة من الأسل، والقفاف الدائرية التي أبدعتها الأجيال السابقة وتفنّنت في تلوينها بطرق مختلفة، فضلاً عن «سبّاق» (المستخدم للآن للرطب).

وسيصادف الزائر ماكينة الخياطة، و"البقشة" التي كانت توضع فيها الملابس والحاجيات، وبعضًا من الملابس التراثية.

ويضم القسم أيضًا مجموعة من الأمشاط المصنعة محليًا، كما أن من بين مقتنيات المتحف يوجد سرير كبير من خشب السيسان الهندي، إلى جانب مهد صغير يخص أبناءه الأربعة، له قرابة 36 عامًا، مازال يحتفظ به وببعض متعلقاتهم التي يأتي أولادهم الآن لتصويرها والتعرف عليها.

وهناك قسم للنجارة، وهو عبارة عن مجموعة أبواب، ونوافذ، وقطع من الخشب وكلها متاحة للباحثين والدارسين.

لوحات ومنحوتات
يزخر المعرض بالعديد من الصور التي التقطها الفنان بنفسه، هذا بالإضافة إلى وجود قسم خاص بلوحاته الفنية، وعدد من المنحوتات، يضع إلى جانبها لوحات ومنحوتات ابنه الفنان كميل.

ومن بين الصور صور التقطها الفنان مصلي قبل 40 عامًا لجزيرة تاروت، وكلها قبل الإسمنت، يقول عنها: "هذه المباني التي بناها آباؤنا وأجدادنا، ووضعوا فيها من روحهم، وفنهم، وكل شيء له مسمى، مثل الطوشة، والروشن، والأقواس المدببة، والنصف دائرية، والمفصصة، فكانوا أكثر تفاعلًا مع بيئتهم، ونجد مداخل البيوت المزخرفة بالآيات القرآنية، والزخارف المختلفة، وصورة للصاباط، مسقوف ويستخدم في جلسات الصيف، بالإضافة إلى مجسم سفينة هدية من حسن المبشر".

أدوات شخصية
وضع الفنان بعضًا من أدواته الشخصية في هذا المتحف، ويذكر منها كاميرا اقتناها عام 1987م، وأشرطة فيديو وكاسيت، وأجهزة ألعاب قديمة، ومجموعة من الأقنعة الواقية من الغاز، وغيرها من الأدوات التي استخدموها أثناء غزو الكويت في 1411هـ، وجهاز كمبيوتر متنقل عمره نحو 38 سنة ثقيل الوزن وشاشته متناهية الصغر، ولكنه كان يفي بالغرض، بالإضافة إلى أول كمبيوتر اقتناه عام 1995، والطابعة والناسخة.

المكتبة
تضم المكتبة عددًا من الكتب الأدبية، والدينية، والاجتماعية، وكتبًا عن الفنون التشكيلية، والفنون الإسلامية، والمجلات مثل القافلة، ومجلة الخط التي كتبت عن المتحف وزواره، والنسخ القديمة لجريدة اليوم، وبعض نسخ القرآن والمصاحف القديمة جدًا؛ بعضها مطبوع في الهند، وباكستان، وإيران.

ويجاور الكتب قسم البوسترات، والنشرات، والكتيبات الخاصة بالفنون، سواء من القطيف أو غيرها، وقد أكد أن هذا المكان يعد المصدر الرئيسي للمطبوعات والحرف في المنطقة للدراسات والأبحاث وغيرها.

الورشة
الورشة هي القسم المفضل لزوار المتحف من طلاب ومحبي الفنون، يقول عنه: "في هذا القسم نعلّم الطلاب ونعرّفهم بأنواع الألوان، ويأخذون فكرة سريعة عن أدوات الفنون التشكيلية للمبتدئين والمحترفين".

وأضاف أن هذا القسم يحوي أيضًا رسوماته التي يجهزها لإقامة معرض شخصي في كندا خلال الشهور المقبلة، كما يلحق بالورشة مخزن للوحات القديمة، أو الزائدة، أو حتى التي يجهزها لمعارض مقبلة، ورف فيه مجموعة أبحاث لزوجته السيدة معصومة شرف الهاشم.

رسالة وحوار
ووصل بنا الفنان في جولتنا داخل متحفه الشخصي إلى قسم منتدى المصلي، وبه مجموعة لوحات تُعرف بـ"الطبيعة الصامتة"، وبعض اللوحات السريالية، ولوحات للفنان كميل مصلي، وأحيانا تقام المحاضرات في هذا القسم.

ويضاف له قسم يضم بعض رسالات الماجستير والدكتوراه، منها رسالة عن الحجر الصابوني في جزيرة تاروت، وأحدها عن الزخارف الجصية في القطيف دراسة تحليلية مقارنة، وبحث دكتوراه عن دلمون، يشهد أن دلمون في جزيرة تاروت قبل البحرين بنحو 700 سنة، ودراسة للدكتور كميل عن لوحات والده، ورسالة الماجستير للدكتورة سمانة المصلي.

أسرة المتحف
حرص الفنان المصلي على تناقل إرثه الثقافي والحضاري، وكما تشرب من والده - رحمه الله - هذا التاريخ، اجتذب أبناءه على اختلاف ميولهم إلى عضوية المتحف، فهو بمثابة أسرة موازية، فالمتحف يضم في عضويته أبناء المصلي، وهم؛ الدكتور إسلام أستاذ في جامعة أوريجون الأمريكية؛ لديه 3 اختراعات في علوم الحاسب، والثاني كُميل فنان تشكيلي، وأحد مسؤولي قاعة إثراء للفنون، والدكتور ريان حاصل على الدكتوراه منذ 6 سنوات ويدرس الزمالة في كندا؛ طبيب بشري، ويحضر الآن الدكتوراه بكندا، والدكتورة سمانة حاصلة على ماجستير طب الأسنان، وهي الآن في البورد السعودي للمنطقة الشرقية.

أمنية
المصلي لا يعد الشخص الوحيد في منطقة القطيف ممن يمتلكون متحفًا شخصيًا، وقد تحدث عن أهمية المتاحف الشخصية خاصة في القطيف، مشيرًا إلى بعضها كمتحف الوجيه محمد الفارس الذي اندثر، ومتحف أبو سيبويه، ومتحف السيد حسين العوامي، مضيفًا أن هناك متاحف شخصية لا نعرف عنها، أو صغيرة مثل متحف القرآن في سنابس، ولكن لها قبول عند الزوار والباحثين.

وتمنى أن تحظى هذه المتاحف بالاهتمام، وتتطور، وتمنح إجازات سريعة لتطويرها، وتدخل ضمن المزارات السياحية.

الإرث
وفي ختام محطتنا، أوضح المصلي أن الفائدة من المتاحف الشخصية، لا تعود على الشخص نفسه، بقدر ما تعود على الإرث الحضاري للشعب، وقال: "كل شعب يحتاج أن يوثّق موروثه، خاصة ما تركه الآباء والأجداد، وهذا المتحف يعد نواة لمركز ثقافي، من خلال الباحثين، ومن يقومون بدراسات بحثية، سواء بالنماذج أو المعلومات، التي نوفرها لأي باحث أو زائر".

[banner id="190409" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]



فيديو:


error: المحتوي محمي