مسجد في بنيانه كسائر مساجد الله في الأرض، ولكن لله أيضًا أولياء وأصفياء من خلقه اختصهم، ولا يوجد في بلدة «حلة محيش» مَنْ لا يعرف «مسجد الشيخ عقيل» ولكن بنفس القدر لم يعرف أحد من سكان البلدة، حتى الباحثون: مَنْ هو الشيخ عقيل؟ ولا تذكر كتب التاريخ عنه إلا النذر اليسير، لتظل سيرة الشيخ ومسجده سرًّا بين عبد من عباد الله وربه.
هو الجامع الكبير في القرية، نُسب إلى الشيخ «عقيل» ويُقال إنه قَدِم من البحرين، وسكن في موقع المسجد حاليًا، حيث كان بمثابة بيت له، ويُقال: إنه أثناء الحروب التي مرت بها القرية؛ حوّل بيته حصنًا، ومن ثم إلى مسجد، وقد كان المسجد فيما سبق يختلف عن الحالي كثيرًا، وبين فترة وأخرى تجري عليه بعض التعديلات، ورغم التعديلات إلا أن شجرة النبق (السدر) علامة للمسجد.
وحتى لا نترك مجالًا واسعًا للأقاويل؛ بحثنا مع المختصين في التاريخ والتراث عن شخصية «الشيخ عقيل» حكايات القادم الغريب، كما وصفه الباحث التاريخي عبد الرسول الغريافي، ظلت شخصيته لأعوامٍ كثيرة مليئة بالأسرار، لا يُعرف عنها شيء، وجُلّ المعلومات التي جُمعت خلال الأشهر الماضية تُفيد بأن الشيخ قدم من البحرين مباشرة، واتخذ من حلة محيش مكانًا لعيشه، بعد أن اشترى أرضًا أقام عليها بيتًا، ومسجدًا يؤم الناس فيه للصلاة، مشيرًا إلى أن سبب قدومه للبلدة لا يُعرف سببه كما لا يُعرف عن سلسلة نسبه شيئًا.
اسمه فقط: الملا حسين الباقر، وهو من أعيان البلدة، يلفت إلى أنّه حاول فيما مضى أن يبحث عن حياة الشيخ عقيل، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل، واصفًا الحالة العامة لحياته ونشأته في البلدة بـ «المجهولة» كما يتفق معه في هذا الأمر مؤذن المسجد حسين بن مكي الراشد، الذي بيّن أن جميع مَنْ في البلدة لا يعرفون أي شيءٍ عن «الشيخ عقيل» عدا اسمه فقط.
الحركة الاجتهادية
الباحث عبد الإله التاروتي، ينضم إلى قائمة المهتمين الذين لا يملكون أي معلومات عن «الشيخ عقيل» ولكنه يُرجح أن فترة وجوده تعود إلى فترات الهجرات الأولى لعلماء البحرين، ورجح أيضًا أن يكون من معاصري الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق، الذي تتلمذ على يدي الشيخ المقابي في الكويكب، وأغلب هؤلاء العلماء هم رموز الحركة الاجتهادية الإخبارية، وكان لهم حضور في الساحة الثقافية في تلك الفترة.
حلقة مفقودة
وأوضح التاروتي أنّ مسجد الشيخ عقيل ليس وحده من حمل اسمًا لشخصيات وغاب ذكرها فيما بعد، وعن ذلك قال:" هم في ظني يمثلون حلقة مفقودة من تاريخ علماء المنطقة، ولولا التسمية بأسمائهم، والتي حفظتها الذاكرة الاجتماعية؛ لنُسيت كما نُسيت كثير من الأحداث والتواريخ".
سيرة غامضة
ووصف الباحث في التاريخ علي سعيد علي الشعلة، في كتابه المعروف «حلة محيش» حياة الشيخ بالغامضة؛ فلم يجد مصدرًا يشير إليه من قريبٍ أو بعيد، وبعد البحث المضني عن أصل ونشأة الشيخ، لم يظفر بشيءٍ حوله، كما أنه لم يجد له مخطوطًا أو مؤلفًا، أو ذُكر في تاريخه شيءٍ عن حياته، ولو مشافهة من الأجداد، والسبب ربما يعود إلى الأولين، الذين لم يدونوا، ولم يؤرخوا لحياته في تلك الحقبة الزمنية لسببٍ أو لآخر.
تاريخ البناء
أما عن تاريخ بناء المسجد أوضح «الشعلة» في كتابه أنَّ المسجد سمي باسم الشيخ عقيل منذ تأسيسه إلى الوقت الحاضر، ويعود تاريخ بناء المسجد إلى عهد بناء حسينية العودة، وأن الذي بناه هو السيد محمد السيد يوسف الشعلة (العمدة الثاني في حلة محيش) وكان المشرف على البناء في عهد والده، وهذا الأمر الذي تقاطعت واجتمعت عليه الآراء في القرية، ووضع فيه بعض الزخارف للآيات القرآنية وزينها بالزخارف الإسلامية.
وذكر أنّ مسجد الشيخ مفلح أول مسجد شيد في البلدة، ويعد مسجد الشيخ عقيل ثاني صرح أنشئ في القرية، وقيل إن القسم الشمالي الشرقي كان مقبرة لدفن الأطفال، وضمت منذ 60 سنة الماضية في مساحة المسجد، التي لا تزال حتى اليوم.
وأبان الشعلة أن سنة نشأته وإقامة المسجد لا تتعدى 170 سنة تقريبًا، كما أنه لم يكن في الحصن، أو القلعة، أو السور مسجد مشيد؛ لأن مسجد الشيخ عقيل خارج السور، إذًا نستنتج أن المسجد شُيّد بعد انهيار السور، وطبقًا لكلام شهود العيان: إنّ السيد محمد السيد يوسف الشعلة بني المسجد، وعاش حوالي 200 سنة.
الجامع الكبير
والمسجد هو الجامع الكبير في البلدة - كما أشار الباحث - ويقع في حي الديرة من جهة الغرب، على مساحة مقدارها 20 - 30 مترًا، وفيه قسم نسائي للصلاة من جهة الشمال الشرقي، وكان البناء في الماضي ينقسم إلى قسمين: الأول قسم مسقوف في الجهة الغربية، والثاني قسم مفتوح من دون سقف من الجهة الشرقية، والمساحة لكليهما متساوية، وبعد تجديده سُقف المسجد كاملًا.
وهو من أقدم المساجد التي أقيمت فيها صلاة الجماعة في البلدة رسميًّا، بإمامة الخطيب الراحل الملا حسن بن الملا محمد الباقر - رحمه الله -، بعد أن كانت تقام فيه صلاة الجماعة سابقًا يومًا في الأسبوع في ليلة الأربعاء، كما كانت تقام فيه صلاة الصبح في شهر رمضان فقط حتى عام 1432هـ بإمامة الشيخ محمد بن علي بن الشيخ عبد المجيد أبو المكارم، وكانت تقام فيه قديمًا صلاة الجمعة في عهد الشيخ عبد المجيد أبو المكارم لفترةٍ من الفترات، ويشهد المسجد حتى يومنا هذا صلاة الجماعة بإمامة الملا حسين الباقر.
السدرة
وما يميز «مسجد الشيخ عقيل» بشكلٍ عام، هو وجود شجرة النّبق، وهي شجرة معروفة في الجزيرة العربيّة، تسمى أيضًا بـ «السِّدر» ثمرها لذيذ، ورائحتها زكيّة، وظلّها ممدود، يقدر عمرها بعمر وجود المكان، كانت النسوة يستخدمنّ أوراقها المتساقطة للعلاج.
بيت المسجد
وللمسجد بيت صغير جدًّا بمحاذاة يساره، يذهب ريع إيجاره لصالح المسجد، كان فيما مضي مكانًا لاكتناز التمر «شندود» وتم ضمه في السنوات الماضية بعد أن بيعت الأرض لصالح المسجد.
يقول الحاج علي يوسف الذي كان مستأجرًا لبيت المسجد منذ أعوام ماضية: أن البيت كان عبارة عن (شندود) تمر، والشيخ عبد المجيد المكارم- رحمه الله - أمر ببناء الأرض منزلًا، يعود ريع استئجاره إلى المسجد مباشرة، كما أمر بإعادة بناء المسجد وهو البناء الحالي.
ويلفت إلى أن مقاول البناء كان من أهالي سيهات وهو إبراهيم بلال، وشاركه أبناء البلدة في بنائه.
يشار إلى أن الحاج إبراهيم آل عجيان "رحمه الله" كان وليًا على مسجد الشيخ عقيل وبيت المسجد، والرجل المخول بأخذ إيجارات أوقافه، لأكثر من 70 عامًا وهو عمدة البلدة آنذاك، وبعد وفاته تحولت الولاية لابنه عبد المحسن.
[banner id="190883" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]


