04 , أبريل 2026

القطيف اليوم

من ذاكرة العلي والميلاد.. في مدارس الستينات ناجح بالتعويض وابن العاشرة بالصف الأول

رحلة في الذاكرة، تجوال بين ذكرى منسية ومعلومة شاردة، تعيدنا إلى تاريخ الأجواء المدرسية قبل 40 عامًا، نسترجع فيها لحظات تلاشت أو تطورت، لننتهي بصور ملونة عجزت الكاميرا في ذلك الوقت أن تطبع ألوانها، وعلى الرغم من الأبيض والأسود في الصور المطبوعة إلا أن الألوان متدرجة بفرح في حديث أصحاب تلك الذكرى.

طابور
البداية وقفة مع الطابور الصباحي والذي اعتبره المعلم السابق طاهر العلي بأنه من أهم مراسم اليوممراسم اليوم الدراسي، مسترجعًا بذاكرته كيف كان الاصطفاف فيه، يقول لـ«القطيف اليوم»: "كانت الفصول في صفوف أفقية متوازية قبالة مدخل الفصول، يستقبل فيها الطلاب العلم الوطني، وهم مرتبون حسب سنوات الدراسة من الصف السادس حتى الصف الأول، وترتيبهم في الصف الواحد من الصغير إلى الكبير، يتقدمهم عريف الصف، واضعين حقائبهم بالقرب منهم جانبًا، وقد كانت الحقائب أشبه بالصندوق الصغير وكان لها مقبض".

أما الحاج مبارك الميلاد فيقول: "الطابور الصباحي هو أول ما يواجه الطالب المستجد، لكنه لا يشارك فيه في الأسبوع الأول، بل يبقى قريبًا منه ليتعلم التمارين المطلوبة ممن سبقوه من طلبة المدرسة، وبالتدريج يبدأ الطالب في أداء التمارين الصباحية بإشراف رائد فصله، وبعد عدة أيام ينضبط الطالب المستجد في الطابور الصباحي بل ويشارك في الإذاعة المدرسية تشجيعًا له على كسر حاجز الخوف والخجل".

إذاعة بموسيقى
يتحدث العلي عن الإذاعة المدرسة: "أتحدث هنا عن مدرسة الجش الابتدائية في بداية الستينات، حيث شكلت الإذاعة رونقًا مميزًا، تبدأ بموسيقى الفرقة الكشفية ثم تلاوة القرآن الكريم من قبل أحد الطلبة، يتخلل ذلك مواضيع وأناشيد من الطلبة، وأحيانًا يتحدث مدير المدرسة أو أحد المدرسين دون استخدام جهاز التكبير الصوتي، أي لم يكن الميكروفون مستعملًا لعدم وجود الكهرباء في تلك الحقبة".

ويضيف: "أما عن المدرسة المتوسطة الوحيدة بالقطيف 1967م، فالفارق هو أن الموسيقى كانت تبث من جهاز أسطوانات قبل بداية الطابور ثم برامج الصباح المعتادة من قبل جماعة الإذاعة المدرسية عبر مكبر صوت بسيط".

خليط أعمار
يوضح العلي أنه لم يكن هناك عمر محدد لقبول طلاب المرحلة الابتدائية في فترة الستينات، إلا أنه نادرًا ما كان هناك طالب في الثانية عشرة من عمره في الصفوف الأولى.

ويتابع: "كان هناك (رقم الجلوس)، يتم إصداره من الرياض، ويتم توزيعه على طلاب السنة النهائية في كل مرحلة".

ويذكر الميلاد أنه نظرا لبدء التعليم وعدم إلزاميته كان الطلاب خليطًا من الأعمار، ويقول: "منا من دخل المدرسة في سن السادسة ومنا من دخلها في العاشرة أو أكبر، ولم يكن العمر عائقًا للدراسة أو يخلق مشاكل أخلاقية أو سلوكية بين الطلاب نظرًا لهيبة المدرسة والجدية فيها وكذلك وجود عقاب بدني لكل من يتجاوز النظام".

برجل واحدة وطرق أخرى
العقاب البدني الذي اعتبره الميلاد سببًا في انضباط الطلبة، استنكره العلي، بقوله: "كانت تستخدم طرق قديمة غير تربوية في عقاب الطلبة، بعضها تعرف بالفلكة، ولم أشاهدها طيلة دراستي، لكن استخدام العصا كان قائمًا، وكذلك إيقاف الطالب على رجل واحدة وهو رافع يديه إلى أعلى، أو حامل الكرسي، والضرب على أطراف الأصابع بالمسطرة، وفرك الأذن، واللكمات، والكف على الخدين، ويصاحب ذلك أحيانًا القسوة المفرطة مثل حرمان الطالب من الفسحة".

قلم حبر
العقاب يقابله الثواب، ذلك المتمثل في الجوائز التحفيزية، إلا أنها كانت نادرة حسب وصف الميلاد، حيث يذكر: "نادرًا ما كانت هناك مكافآت أو جوائز، وإن حصلت فلا تتعدى قلم حبر متواضع يعتز به الطالب لما يمثله معنويًا من جائزة تفوق كبيرة".

فيما يوضح العلي أن المكافآت كانت تعطى لطلبة المدرسة التجارية والصناعية، ومعهد المعلمين ومعهد التمريض بصفوى في فترة الستينات.

الرحلات المدرسية
ولم تكن المدرسة دروسًا وتحصيلًا وواجبات فقط، فيذكر الميلاد أن الرحلات المدرسية كانت المتنفس الوحيد للطلاب، لما تمثله من تغيير جو في إطار الجو المدرسي ويذكر منها: زيارة معمل الفخار في أطراف البلدة، وزيارة معرض أرامكو، ومشاهدة بعض الأفلام التوعوية عن النظافة ومكافحة الحشرات الضارة، وزيارة مصنع الإسمنت في الأحساء، وكذلك زيارة الأحساء والتعرف على أشهر معالمها، وكانت تمثل هذه الرحلة سفرًا خارج حدود المدينة بمعية بعض المعلمين.

وما زال العلي يذكر الرحلات الأولى بشيء من الشجن، يتضح في كلماته التي وصف بها الرحلات المدرسية، بأنها «أجمل ما ميز المرحلة الابتدائية»، ومنها رحلة تستغرق يومين، أي فيها بيات، وعادة تكون إلى منطقة الأحساء ولكن ألغيت عملية البيات في وقت لاحق بحيث أصبحت لا تتعدى الرحلة الواحدة اليوم الواحد، وكانت هناك رحلات لمدة يوم واحد إلى الجبيل وخليج نصف القمر، وكانت معظمها للترويح عن النفس والتعرف على بعض المعالم الأثرية أو المصانع.

المقصف المدرسي
فكرة المقصف المدرسي التعاوني كان كما يؤكد الميلاد لغرس مفاهيم التعاون والاستثمار بين الطلاب، وكان يباع فيه سندوتشات بيض وجبن، مع المياه الغازية، ثم تطور إلى وجبة مجانية، ولكن لم تستمر طويلا نظرا لعدم ملائمة بعض ما يقدم فيها خصوصا اللحوم.

ويوضح العلي أن فترة الراحة أو الفسحة والخروج إلى المقصف المدرسي، كان في القديم بعد الحصة الثالثة طوال أيام الأسبوع عدا الخميس فكان بعد الحصة الثانية، كون اليوم الدراسي أربع حصص في المرحلة الابتدائية، وكان المقصف حينها يحتوي على خبز وحليب، ثم تنوع إلى شريك مثل الصمولي، والسويسرول، وشاي وحليب ثم مرطبات وبعض العصائر.

ويضيف أنه بعد ذلك أدخلت الوجبة المدرسية (التغذية) في عام 1974م. لتصل جودتها، ثم تتوقف بتوقف برنامج التغذية، ورجعت المقاصف المدرسية، وحسب اعتقادي لا تلبي حاجة الطالب حسب رغبته لكنها على كل حال أفضل من لا شيء.

عصرًا.. حصص نشاط
ويعود العلي بالذاكرة إلى حصص النشاط، ويقول: "كان النشاط المدرسي يمارس بعد فترة الظهيرة حتى مغيب الشمس، وينظم ذلك جدول خلال الأسبوع، وأهم الأنشطة كانت الكشافة والرياضة والرسم والأشغال والتمثيل وتحسين الخطوط والمكتبة وجماعة اللغة العربية وجماعة التربية الدينية والتاريخ والجغرافيا والعلوم".

ويبين أن النشاطات في فترة العصر قد ألغيت بمنتصف السبعينات تقريبًا عصرًا، وأصبحت هناك حصة نشاط أسبوعية ضمن الجدول الدراسي.

وسائل الإيضاح
جميعنا يتذكر الوسائل الكرتونية المعلقة في الفصول لإيضاح بعض الدروس، وكم كنا نجتهد في أن نخرجها بشكل فني يعجب الآخرين، مع العلي الأمر مختلف فهو يؤكد أن معظم الوسائل التوضيحية كانت تأتي عن طريق إدارة التعليم، مثل الخرائط وبعض الرسوم التوضيحية، وأدوات الرسم والأشغال وأدوات الهندسة، ومستلزمات مادة العلوم والجغرافيا والتاريخ واللغة العربية، وكان يتم منح الطلاب المتميزين فرصة إعداد بعض الوسائل المتعلقة بالمنهج المدرسي.

المستلزمات المدرسية
ونأتي على ذكر شراء المستلزمات المدرسية، والتي يذكرها الميلاد بشيء من الأسى على ما آلت إليه الأحوال الآن، فيقول: "كان الزهد وعدم الإسراف أو المبالغة موضوعها، وهنا نذكر أن المعلمين لم يرهقوا الطلاب بطلبات تؤثر على ميزانية آبائهم، والجدير بالذكر أننا في تجليد الكتب والدفاتر كنا نستعمل ورق المجلات".

من جانب العلي، يبين أن مستلزمات الدراسة في فترة الستينات كانت بسيطة وغير مكلفة، وهي كراس للرسم، وآخر للهندسة، ودفاتر متنوعة بعدد الأوراق التي تلبي حاجة كل مادة، وأدوات هندسية، وأقلام ومساحات وأدوات حبر ومسطرة ومبراة، وعلبة أقلام ملونة للرسم، وحقيبة متواضعة.

ويضيف بقوله: "يتم تجهيز ذلك قبل الدراسة بأسبوع واحد، وأحيانا يتم شراء بعضها مع بدء الدراسة، نظرا لرغبة معلم المادة في اختيار المناسب".

المعلمون
في ذاكرة الميلاد الدراسية تتجول جنسيات مختلفة لمعلميهم، فقد كانت البدايات الدراسية لا تعرف المعلم السعودي إلا فيما ندر، يقول: "كان معلمونا من الأردن وفلسطين وسوريا والسودان والعراق وقلما تجد معلمًا سعوديًا".

ويفصل: "بالنسبة للتخصصات فاللغة العربية ومواد الدين غالبًا ما تكون من نصيب السودانيين، رغم وجود هذه التخصصات في الجنسيات الأخرى، ولكن الطابع الشامل لجميع المعلمين هو الجدية في العمل والشدة مع الطلاب، لذلك كنا نشبع ضربا منهم! وتشجيع الآباء للمعلمين على تهذيبنا وتعلمينا وإعطائهم الضوء الأخضر "اضربوا"، زاد وساهم بطريقة ما في زرع الخوف والرهبة من المعلمين".

وفيما يبدو أن معلمي العلي أثروا فيه لدرجة دفعته لاختيار مساره الوظيفي في مجال التعليم، يقول: "غالبية المعلمين كانوا من فلسطين والأردن، مع نسبة قليلة جدًا من السعوديين والسودانيين والعراقيين، هذا في المدرسة الابتدائية، وخلال المرحلة المتوسطة من نفس السنة 1967م تم التعاقد مع مدرسين من لبنان وبريطانيا لتعليم اللغة الإنجليزية، وفي نفس السنة ألغيت اللغة الفرنسية من المرحلة المتوسطة، ولم يتم التعاقد مع المصريين إلا في مطلع السبعينات 1970م تقريبًا".

ويضيف: "لم يتواجد تخصص في التدريس في المرحلة الابتدائية، فالمعلم عليه أن يدرس أي مادة توكل إليه، أما في المرحلة المتوسطة فهناك تخصص لطبيعة تدريس المادة".

المناهج
مازالت ذاكرة العلي تحتفظ بصفحات من الكتب الدراسية القديمة، لعل أبرزها كتاب الهجاء للصف الأول ابتدائي النسخة الأولى، وقد وصفها بأنها كانت منتقاة بعناية من قبل موجهين تربويين سعوديين وعرب لتناسب المجتمع السعودي، مشيرًا إلى أن الكتب كانت توزع دفعة واحدة في الأسبوع الأول من الدراسة.

أما الميلاد فيذكر أنها كانت مناهج تعليمية قوية ومرتبة، ونادرًا جدًا ما يكون فيها أخطاء إملائية أو غيرها.

ويوضح أن الرياضيات التقليدية لعبت دورًا كبيرًا في تحفيز الطلاب ونمو عنصر المنافسة لسرعة الحل التحريري أو الإجابة الشفوية، وتنمية القدرة على الكتابة الإملائية مع نمو المنافسة الشريفة بين الطلاب فيها.

الإجازات
الإجازات المتكررة للطلاب بمثابة البيضة الذهبية التي يحسد عليها الجيل الحالي، تلك البيضة الذهبية لم يعرفها الجيل الذي سبقنا للدراسة قبل نصف قرن، يبين العلي أنه لم يكن هناك فصل دراسي أول أو ثانٍ، بل إن الدراسة متصلة تقسمها إجازة نصف السنة القصيرة جدًا، عدا إجازة الصيف الطويلة 4 شهور وإجازة العيدين إن صادف ذلك.

ويضيف: "التلاميذ يعطون إجازتين للعيدين، وإجازة الصيف الطويلة 4 أشهر، أما بعد تعديل فترة الدراسة إلى فصل دراسي أول وفصل دراسي ثانٍ فأتت إجازة فصل الربيع بعد نهاية الفصل الدراسي الأول".

ناجح بالتعويض
"راسب".. كيف يمكنه الانتقال لمرحلة جديدة ما لم يعوض رسوبه ذلك بنجاح في الامتحان المخصص لتلك الفئة التي لم يحالفها النجاح منذ أول امتحان، هذا المعروف لدينا، لكن الأمر مختلف قبل عشرات السنين، وحول ذلك يقول العلي: "الطالب في المرحلة الابتدائية حين لا ينجح من الممكن أن يعيد صفه أكثر من مرة، وقد كان هناك بعض الطلبة ممن لهم أكثر من 4 أو 5 سنوات رسوب".

ويبين أن النجاح الآلي كان قائما في بداية الستينات إلا أن هناك طلبة يبقون للإعادة بسبب ظروف خاصة، ويستخدم نظام التعويض في نوع معين من المواد.

أما في المرحلة المتوسطة فكان يسمح للطالب بالانتقال للسنة الجديدة ولو كان راسبًا فيما لا يزيد على مادتين من المواد المتفق على التعويض فيها ويكتب في الشهادة (ناجح بالتعويض).

مقاعد ثلاثية
تحوي ذاكرة الميلاد تفاصيل المدرسة القديمة بطلابها ومعلميها ومقصفها ولوحاتها، وكذلك فصولها، التي يصفها بأنها كانت بسيطة ومكونة من طاولات خشبية ثلاثية المقاعد، والسبورة لوح خشبي أسود اللون والكتابة بالطباشير، مضيفًا: "لم تكن الفصول مكيفة، ولم يكن بها حتى مراوح، لكننا كنا نتأقلم مع الحر والرطوبة وكذلك البرد، أما في فصل الشتاء فيأخذنا المعلم إلى فناء المدرسة للجلوس في الشمس طمعًا في الدفء".

ويوضح العلي أن الفصول كانت تختلف حسب تصميم المدرسة، ممثلًا في ذلك بمدرسة الجش حيث إن فصولها كانت ذات مساحة (3 × 4)م تقريبًا، وبها نوافذ شفافة تطل على فناء المدرسة والنخيل المجاورة، ولم تكن مزودة بالكهرباء.

ويقول: "أما فصول المرحلة المتوسطة فكانت أوسع بكثير، لكن نوافذها مرتفعة ومضببة لا ينفذ منها غير الضوء، وعرفنا الكهرباء في تلك الحقبة ولكن لم يكن التكييف موجودًا".

[banner id="176595" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]

 


error: المحتوي محمي