"لأنها مائدة "قطيفية" فلابد أن تشم منها نسائم "الزفر" بين يوم وآخر، سيما في فصل الصيف، ذلك الفصل الذي يعتبره أكثر أهالي المنطقة موسم "الثراء البحري"، فالمائدة تشهد في أيامه أنواعًا مختلفة من خيرات البحر، خاصة الروبيان، ذلك الإدام الذي ننتظره عامًا كاملًا، لنشتري "البانات" في وقت وفرته، ونجتهد في تفريزه وحفظه لندلل به مائدتنا كلما اشتهينا واحدًا من أطباقه.
ولكن، ماذا لو علمنا أن زائرنا الموسمي والذي احتفينا بموسم فسحه قبل شهر تقريبًا، كان مقيمًا دائمًا، لا يفارق سواحل القطيف لا في صيفها ولا شتائها!
«القطيف اليوم» تبحر في رحلة بذاكرة النوخذة السابق رضا العيسى "أبو حيدر"، وتستعيد معه ذكريات الروبيان قديمًا، من أين يصطاد؟ وكم كان سعره؟ وكيف يحفظ؟
متعة الصيد
نبدأ الجولة في ذاكرة "أبو حيدر" عن صيد الروبيان دون الإعلان عن موسمه، حيث يقول: "أتذكر أنني كنت مع أهلي وقد اشتغلنا في هذا الموسم، بلنش صغير اسمه "كفاح"، وآخر أكبر قليلًا اسمه "سعيد"، هذان اللنشان كانا عند والدي - رحمه الله -، وكنا نشتغل بهما في الروبيان".
ويضيف: "كان صيدنا على حسب المواسم الموجودة، ولتوفر مواسمه كانت الناس لا تهتم بها كما هو الحال هذه الأيام، ولم يحظَ بالإعلان في الإذاعات والمحطات كما الآن".
ويتذكر إحدى القصص القديمة بهذا الخصوص قائلًا: "كنا في يوم ذاهبين إلى البحر، وصادفنا مسؤول سلاح الحدود، فقال لوالدي: "أما عرفت أن اليوم فسح الروبيان؟" فأجابه: "لا والله لم نعلم.. فرجعنا وأخذنا آلاتنا وذهبنا لصيد الروبيان"، مستدركًا: "لهذه الدرجة، لم يكن هناك إعلان عن موسم الروبيان!".
يبتسم الحاج رضا وهو يقول: "كان صيد الروبيان طبعًا متعة جميلة فعندما تصيده وتكون الشبكة مملوءة وينكت على القارب وهو يتعفرت يعني حاجة ليست في الخيال".
على مدار العام
لم يعرف أهالي المنطقة فيما مضى من الزمن شُحًا للروبيان، وما كانوا ينتظرون فصل الصيف كما نفعل الآن بغية أن يتوفر ويتسابقون في شراء كميات منه لتخزينه حتى بقية العام، ويؤكد الحاج رضا أن الروبيان كان متواجدًا في القطيف سواء كان الجو صيفًا أو شتاءً، وقد عرفت الروبيان الصغير في الصيف والكبير في الشتاء، موضحًا أنه كلما برد الجو كلما كبر الروبيان، وأن الروبيانة تبدأ من الصغيرة وهي ما تعرف بالديدان إلى روبيان الجامبو، وحتى الروبيان الذي يسمى "مضفر"، فقد كان السابقون يقولون الروبيانة "مضفرة" لضخامتها.
ويضيف: "كان الروبيان موجودًا في وادي عراف في الخبر، من حدود الجسر الآن، إلى رحيمة، الأول بحرام التي هي غبة الرامس وغبة القطيف التي يسمونها الخنيزية وطبعًا تم ردمها ولم يعد لها أي أثر وكان الروبيان متواجدًا في هذه المناطق بكثرة".
أما عن مدة الصيد فيبين أن اللنشات لم تكن تغيب أسبوعًا ولا حتى 5 أيام أو 4 أيام مثل الآن، فلم يكن عندهم استعداد لهذا، بل كان الصيادون يذهبون في الصباح ويعودون في العصر، أو يذهبون في العصر ويعودون في الصباح بعد أن يبحروا طوال الليل، وبعاميته يقول: "أما عن معداتهم فكانت على قد لنشاتهم يجيبون روبيان صابح على حد قولهم".
الأحمر المدلل
تلك الوجبة المتسمة بلذتها عند الغالبية العظمى من أهالي المنطقة، ربما لا يعلم البعض أن لها أنواعًا مختلفة، يميزها بكل براعة من اشتغل في البحر واتخذ من الصيد مهنته؛ يوضح أبو حيدر أنواع الروبيان لنا: "روبيان خشكاري، وهو في البحر الغزير، والروبيان الأبيض وهو في الأرض ذات الطين، والروبيان الأحمر في الأرض الصخرية وفوقها رمال، وهو يتواجد بالشتاء في الدمام، والروبيان الرصاصي إلى الأسود الغامق في الأرض الضحلة وتسمى منادي، ويكون في وادي الخبر وخور سيهات وخور دارين "العشيش" وحتى في وادي السفانية، وتكون الأرض مزروعة حشائش، وهناك أيضًا روبيان أزرق وتسمى لدينا عروسة".
وعن المرغوب لدى معظم الناس يقول: "الروبيانة الحمراء، وتزيد حمرتها في الشتاء، حتى تصبح كأنها مصبوغة باللون الأحمر، كما أن طعم روبيان المنادي شهي أيضًا ورائحتها طيبة، وهو الروبيان المضفر الذي نقوم باصطياده من المنادي، والذي يتربى فيها السمك الصافي والصويفي".
كسلوق الخنيزي
ولوفرته في المنطقة كان لابد من إيجاد طريقة لحفظه، سيما أن أجهزة التبريد الكهربائية لم تكن متوفرة، يصف العيسى الكيفية التي يتم بها حفظ الزائد منه في السابق، فيقول: "سمعنا من آبائنا عن أهل الجبيل أنه كان لديهم عادات تقليدية مثلنا، وكان الروبيان متوفرًا في الأسياف، وهي قريبة، وكانوا يسلقون الروبيان في جزر في البحر تسمى كرات وجنا وكرين، فلم يكن لديهم أدوات لحفظه، فكانوا من كثرة الروبيان الأخضر، يسلقون جزءًا منه وهم في البحر، فكما كان يوجد سلوق الخنيزي في القطيف، كان يوجد لديهم سلوق الروبيان، حينها كانت البلد بخير".
ويتابع: "كان يجب أن يتم تجفيف الروبيان بعد سلقه في ماء مالح قليلًا، وهذا شيء طبيعي"، ويسترسل في الحديث عن الروبيان المجفف: "الروبيان الصغير "الدويس" يتم تصديره إلى المناطق التي ليس لديها بحر مثل الأحساء ويسمى لديهم "ربيان متوت"، أما أهل القطيف فكانوا يسافرون به في كل مكان، وكانوا يعتمدون عليه في أيام الشتاء، فالقطيف كانت واحة خضراء وكان جوها في الشتاء باردًا، وكانت تظل لمدة 10 أو 15 يومًا دون شمس، وهذا النوع من الروبيان ليس موجودًا الآن إلا في الكويت، رغم أننا الأصل فيه".
ويضيف: "كنّا في الماضي عندما يزيد الروبيان عن الحاجة اليومية، نفوحه أي نسلقه سلقًا سريعًا، حيث لم تكن هناك أسواق لتصريف ما تم صيده، ولم تكن وسائل التسويق بهذه الطريقة، فكانوا يفوحونه من كثرته ويخزنونه للشتاء لأن القوارب الصغيرة لا تقدر أن تذهب إلى البحر في الشتاء، وكانت القطيف في الماضي تأتيها "سوايب" باردة جدا فيصير شحيحًا مما يجعلهم يأكلون ما قاموا بتخزينه سابقًا".
من اليابان
وطالما كان الحديث عن البحر والصيد، فلابد أن يكون لأدواته مكان، ويقول أبو حيدر عن أدوات الصيد في الماضي: "بداية صيد الروبيان كان في السابق يعتمد دائما على الأدوات التقليدية وهي الحضرة، والجاروف، والدفار جاروف الذي هو بالغزل، والجاروف كان يستخدمه اثنان كل اثنين في جاروف، وكانت هذه هي الوسائل المتوفرة في ذاك الوقت، وبعد أن أنعم الله على البلاد وجدت اللنشات في زمان الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود - رحمه الله - وتوفرت اللنشات التي أتوا بها من البحرين، لنشات صغيرة ومحركات صغيرة لا تتجاوز 20 حصانًا إلى 30 حصانًا فقط وبدأت هذه اللنشات تشتغل في صيد الروبيان.
ويكمل: "كان صيد الروبيان بالشبكة التي يسمونها الكوفية وهذه الكوفية كان مصدرها اليابان، ثم ختموها أهل عمان، وعرفوا كيف يتم تصنيعها، فصنعوها، بعدها استدعى أهالي دارين أهل عمان لتعلم صنعها، والفضل في ذلك يعود لرجل يدعى محمد صالح الزوري، وهو من أهالي دارين، أحضر رجالًا من عمان لتعليمه، وفي النهاية قام بتفصيلها، وطبعًا يتم إحضار الغزل من الخارج، ولكن الشبكة والكوفية كان يقوم هو بتفصيلها"، ويردف: "انتقلت بعد ذلك إلى أهل القطيف، خاصة أهل تاروت، وانتقلت هذه المعرفة حديثا، بعد أهل دارين".
ثم تطوف ذاكرته حول الزمن الذي كان الصيد يتسم بوفرته، يقول: "كانت أشجار القرم موجودة بكثرة قبل أن يتم ردمها لذلك كان الروبيان متوفرًا بكثرة لدينا، فأنحاء القطيف كانت جميعها مملوءة به، فالقرم كالأم الحاضنة للروبيان.. وحتى الدمام وصفوى كانت تحتضن أشجار القرم وكانت سواحلها مملؤة بالروبيان وخيراتها كثيرة، إلى أن حدث المنع".
75 يومًا
يعود الحاج رضا للحديث مجددًا عن منع صيد الروبيان، موضحًا أنه كان يستغرق 75 يومًا فقط، وبدايته كانت على شركة القصيبي، حيث كانت تمتلك "تكات" أكبر من اللنشات التقليدية وتعتمد في صيدها على شبكتين، وكانت تشتغل في مانع الدمام، مضيفًا أن المنع لم يكن يطال أهل البلد، إلى أن تطورت الأوضاع شيئًا فشيئًا، وصار المنع شهرين لأبناء البلد، فيما تمنع تكات شركة القصيبي قبلهم بشهر.
ثمن بخس
هل ترددت في شراء مَنٍّ من الروبيان لارتفاع سعره؟ ماذا لو علمت أنه في هذا الوقت قبل سنوات لم يكن سعره يصل لـ100 ريال؟!
يتذكر النوخذة أبو حيدر سعر الروبيان قبل أكثر من 40 عامًا، موضحًا أنه نظرًا لوفرة صيده آنذاك فإن أسعار "المنّ" كانت بسيطة جدًا، لا تتجاوز الـ50 والـ60 ريالًا إلى 70 ريالًا في الشتاء، أما في الصيف أي في الأجواء التي تشبه جونا الحالي فقد كان سعر المنّ 35 ريالًا.
ويبين أن ارتفاع سعره في الشتاء، يعود لقصر وقته، كما أن جوه يحمل شوائب وتغيرات الطقس تتحكم في اللنشات لصغر حجمها، حيث لم تكن تستطيع أن تصارع تلك الأجواء لتذهب إلى أماكن بعيدة، لذا كان سعره أغلى مقارنةً بفصل الصيف.
وعلى الرغم من أن "منّ الروبيان" تتراوح أسعاره حاليًا بين الـ500 والـ750 ريالًا إلا أن العيسى لا يعتبره سعرًا غاليًا جدًا، سيما إذا ما تمت مقارنته ببقية دول الخليج المجاورة، يقول: "نحن من أرخص البلدان في سعر الروبيان، ففي الإمارات مثلًا سعره غالٍ، والشركات التي تخزن الروبيان هناك تجعل سعره ثابتًا ويتجه إلى الارتفاع لأنها تحتاجه".
وعن سؤاله حول أن الكثيرين يعتبرون أن أسعار الروبيان تتجه إلى الارتفاع غالبًا لا الانخفاض، فما هي أسباب ذلك من وجهة نظرك كمشتغل بالبحر؟ أجاب: "الروبيان صار أكلة بحرية غالية الثمن، لأن العالم لم يصبح كما كان قديمًا، فاليوم أصبحت الثلاجات في شركات البلد، بالإضافة إلى شركات الأسماك التي تخزن مئات الأطنان منه وتقوم بتصديره إلى الخارج".
ويضيف: "الدلالون الذين يمتلكون المفارش هم الذين يمتلكون الثلاجات، فإذا لم يشترِ أحد الروبيان فيأخذها صاحب الثلاجة، وهذا سبب أن الروبيان يعد سلعة عزيزة وغالية".
الثروة السمكية
من يصدق أنه حتى إدارة الثروة السمكية التابعة لوزارة الزراعة والمياه لم تكن معروفة عند الصيادين في ذلك الوقت، عن ذلك يقول العيسى: "لم يكن للثروة السميكة مكتب في وقتنا، كما أنه لم تكن لها خصوصية أو تدخل في أمورنا كصيادين، إنما كان الأمر والنهي عند موظفين في الموانئ يسمونهم "مرفأ" وهم المسؤولون عن توجيهنا، بعد أن تأتيهم الأوامر من الحكومة، فيبدأون في تنفيذ المنع والفسح لنا"، مضيفًا أنه في عام 1400هـ، حسب ما يذكر، تسلمت وزارة الزراعة زمام الأمور.
يتنهد أبو حيدر تحسفًا على زمن مضى وهو يقول: "لم يكن في البلد كل هذه الشركات، أو هذه الأعداد من العمالة الوافدة، وحتى الناس لم تكن تحدث ضجة بالروبيان".
يقولها ببساطة لهجة أهل القطيف: "ما كان للروبيان هذه الضجة وهذه الفزعة ولا كان بهذا المنع 6 أشهر، كانت الدنيا بسيطة وأقل ما فيها يكفيها".
[banner id="156015" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]



