03 , أبريل 2026

القطيف اليوم

وجع بلا حدود

يحل الفجر أخيرًا مع خيوطه الحمراء وتقتلني بعض التساؤلات، وأنا أجلس على مكتبي مرددة يا رب، لأسترجع ذاكرة الكتابة يا ترى ماذا عساي أن أكتب؟ ليتني بالقلم أعبر عما بالقلب من أوجاع، سأكتب لأجل عيون القارئ الذي يقرأني وأخشى أن يملني، وسأكتب إكرامًا لعين القطيف وسأتحدث بصوتي المبحوح، فلن أختبئ وراء الصمت إلا في الحالات النادرة، و سأكون أكثر ظلمًا للوجع إذا قلت إنني أدعو رغم الوجع إلى الأمل والطهر والتفاؤل، عذرًا يا فنجان قهوتي إن نسيتك رغم أن خواطري تقفز على فنجان قهوتي.

ثمة فكرة لافتة سأكتبها قد تشكل جزءًا كبيرًا من عالمي الفكري المثقل بالوجع، ولعل القارئ يدرك منذ السطور الأولى حضور الفكرة ويدرك غايتها وقد تمس وجدان البعض، عذرًا يا قارئ لا أرغب أن آخذك لحدود الوجع فلا تقلق، أنا بين السطور وفي حالة سكون مع مرتبة الوجع، وكم مرة أهملت أروقته ولم أتق لتلمس وجعي المسموح، غير أن هناك وجعًا لا يتحمله القلب فأنا والله أتألم برضا ولم يعد شيء يبكي، يكاد أن يأخذ كل ما عندي، حيث إنني إنسانة أتنقل بأوجاعي بمنتهى الحرية دون قيود وأمثالي كثيرون.

عذرًا لا أود بعثرة الفكرة لنلمح ذاك الوجع الحسي دون سخرية، حيث أجد سعادتي في كتابة خواطري رغم أن الوجع له رائحة غريبة، مقالي أظنه قد يتفق معي البعض، إنه يضيء بعض الزوايا في دنيا الوجع، حيث الجميع يشعر بوجع القلب لفقدان عزيز يكاد أن يأخذ من ضلوعنا بخروج آهات وتنهدات صادقة دون قصد، حيث إن بعض الأوجاع موجعة حد الجرح قد تتحول إلى مشروع مقال موجع يستوقف قلبي قبل عيني.

قدري أن أتوجع حين أكتب، فبين السطور تختبئ ألف حكاية وقصة، ألمح وجعًا يلوح تجاهي حينها لم يسعفني أن أثير تساؤلات ساذجة تراودني، ولا أجد لها إجابات شافية وكافية أحيانًا، قد أتوجع ويصل ذروته لأقصى السماء، ولكن لماذا نتوجع وما هو الوجع؟ هل هو إحساس بالظلم أم بالغبن وهل هناك أحد دون وجع، أو هناك درجات للوجع، وقد أزيد على التساؤلات شيئًا، أردت قوله وبسذاجة هو عندما يشعر المرء بأنه يبدع ويعطي ولا يجازى إلا بالجحود والنكران فإنه يتألم.

أرى نفسي قد خلقت في زمن رديء مليء بتساؤلات عن مواجعنا الصامتة، أيمكن أن يكون للوجع مواقع؟ وما هي نتيجة أوجاعنا وهل علينا مسح سقطاتنا لنبدأ من جديد دون وجع؟ كم أكره ذاك الوجع الذي تصبح الحياة صعبة من خلاله! لعلنا وحدنا نوقظ الإحساس به، هكذا ديدني منذ أن أشرقت شمس أوجاعي.

حاولت تقليب صفحات الزمن فوجدت بعضها مبعثرة، ولكني سأبدأ ببوح ومحاكاة بعض المواقف لأوجاعي والتي لا تهم الكثير هنا، أتذكر لحظة وجع صادقة بريئة، عندما أرسلت لي إحدى طالباتي منذ أيام رسالة مختصرة جدًا، تقول لي أمي ماتت وهنا يأتي جانب الفطرة لتصبغ حشرجة وجعي، ما هي إلا خلجات نفس ثارت بداخلي، سيترجمها قلمي هنا مع زفرات من الوجع، فهل أصرخ قائلة: أي وجع ذاك الذي تحمله تلك الطالبة بفقدان أمها؟ أعترف بصدق أن وجعها غير قابل للتزوير وليس له تفسير، ولعله يختال هنا الوجع هو الوجع ذاته.

أصعب الأوجاع التي تتساقط علينا بشدة والتي تتغلغل في الكيان وصولًا إلى النخاع، ولكنها ليست لحظة واحدة إنها لحظات بل لنقول سنوات وجع، ولقد صادفت في دنيتي لحظات وجع كثيرة، أصعبها لحظة ساخنة جدًا عندما اقتربت لأعزي والدتي بوفاة شقيقي الراحل، لم أقو على البوح بأي كلمة فوجهها الحزين الموجوع أقوى من كل كلمة تقال لها، وبوحها الضعيف بمتمتمات عابثة أخرستني، يا له من وصف موجع، ما استطعت تصديق أو تصوير ذلك.

إحدى لحظات وجعي التي لا تطاق، فقد تم تأكدي أنه ليس للوجع صوت وإلا وصلت أوجاعي التي تطاردني لأسماع البعض! أحاول أن أسقط بعض وجعي حتى لا ينكسر قلبي أو يموت، وهناك وجع لا يحتمل وقد يأخذني بعيدًا مع شعور عميق بالذل والانكسار، وهناك أوجاع تنزف إحساسًا غريبًا فإحساسي لا ولن يموت، أخرج أحيانًا وفي قلبي وجع وحسرة وأبحث عن مكان لأستشف ما أصابني من وجع وضيق، فما كانت إلا المقبرة التي تسكن أوجاع قلبي، نعم المقبرة وزيارة قبور الأحباء وما أكثرهم!! حيث المكان المناسب لنبتعد عن روتين الوجع الخانق.

لن أنكر أن الوجع والحزن لوني وقد يسكن قلبي، وأدرك تمامًا أن كل أوجاع العرب بكل أنواعه منسوخة وكل همومنا حزينة، حيث اعتدنا أن نتوجع وكنت أقيس المسافة بين عتبات الوجع، ولأول مرة أشعر أنني لست قادرة على تحديده، رغم أن كل شيء في حياتنا يحتاج إلى توصيف محدد، وذلك عندما أتوجع من شيء أعرف سببه ويكون أخف وأسهل من وجع بلا سبب.

كم من ماتت مشاعرهم وبردت أحاسيسهم ولن أفترض أن الألم والوجع كله شر، وهذه نعمة إلهية كعادتي بأشجاني بإحساسي أطلق زفراتي مع الوجع متأهبة، وفي داخلي البوح فلم يعد هناك متسع أكثر للوجع رغم أنه لا يمكن أن أنسى بعض أوجاعي، حتى تزهق روحي فهي باقية وساكنة قلبي ومتكررة، وهنا يترنح سؤال إلى أين أذهب من وجعي، لحظتها تمنيت أن الزمن يتوقف لأتنفس السكينة والسكون وكل ما هو ساكن، قد يدفعني أن أغسل وجعي وأحاول أن أقتله، فنحن لا نقطف الزهر مرتين ولا نعيش العمر ثانية.

عجبي على الوجع عندما يكون له بلسم، وفضلت أن أقول عجبي حتى نسيت أنني أتوجع، رغم أنه مسموح وكم يوجعني من لا يتوجع ومن يحب الوجع عبثًا وترفًا!! يا قارئي العزيز لا تحاول أن تكون من يسبب وجعًا لأحد، حيث ندرك أن الموجوعين كثيرون بأوجاع متكدسة على بعضها البعض وبمساحات واسعة، فلا عجب لو ذكرت بأن لي طقوسًا تبدأ وتنتهي بالوجع.

اعذرني أيها القارئ العزيز إن كنت قد جمعت كل أوجاعي وأسقطها على هذه الشاشة ليسقط عليها نظرك لتقرأها، واعذرني أيضًا إن كانت كلماتي قد اتشحت بوشاح الوجع، فأنا هنا شعرت في لحظة أنه لابد أن أظهره وأن يكون بين يديك لتقرأه.

تشير ساعتي الآن إلى الوجع بالضبط ويكفيني أن أشير كخاتمة لهذا الوجع، أتمنى أن آخذكم في المرة القادمة إلى رحلة فكرية أكثر دفئًا وأقل وجعًا، ولن أطلب تعاطفًا منكم، تكفيني لحظة مروركم هنا لأسعد وأنسى وجعي، وأعتذر إن لم يفهمني البعض هنا، فالوجع يكتبني وأنت تقرأني، متمنية أن يبعد الله عنكم كل وجع ولن أتجرأ وأقول الله يديم الوجع، بل لنرسم هالات الأمل على خد الفجر ولنبتسم بسعادة مهما كانت أوجاعنا وظروفنا الصعبة تحيط بنا، فأبواب السماء مفتوحة لنا ولنرضى بما كتبه الله لنا "فما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وما أصابنا لم يكن ليخطئنا".

أشكرك أيها القارئ الكريم لأنك سمحت لمشاعري أن تتواجد هنا.

[banner id="174787" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]


error: المحتوي محمي