16 , يونيو 2026

القطيف اليوم

سنة الطفحة سبقت سنة الطبعة في الخليج العربي

من منا لم يسمع؟ من منا لم يعرف عن سنة الطبعة التي لم تبق بيتا من بيوت مناطق الخليج دونما تترك فيه نائحًا ونائحة على عزيز قد أغرقه ذلك الإعصار المشؤوم عندما زمجر البحر فجأة بأمواجه العارمة؟ ولم ينس جميع من عاصرها أنها كانت في ليلة جمعة رجحها الكثير أنها كانت في سنة 1344 الموافق 1924 في شهر سبتمبر؛ أي في آخر شهر لموسم الغوض من أجل اللؤلؤ وقرب موعد "القفال" أي انتهاء موسم الغوص والمعروف أيضا بـ(كسار الغوص).

موسم الغوص هذا يبدأ من شهر مايو حتى 22 سبتمبر حين يتساوى الليل والنهار وتبرد مياه البحر و(يدلخ) ماؤه فيحجب الرؤيا في أعماقه فيصعب حصاد المحار. كان الجميع على أهبة الاستعداد للقفل رجوعا وفي انتظار إشارة (النشر)، فبمجرد أن (يطير النشر) أي يرفرف العلم فوق السارية لهبوب الرياح معلنا انتهاء موسم الغوص فإن الفرحة تعم بينهم والابتسامات تعلو تلك الوجوه التي شحبتها ملوحة مياه البحر وبؤس حرارة الشمس. ولكن في ذلك العام وقبل موسم رفرفته تمزق وتمزقت معه الأشرعة بل وجميع ألواح سفن الغوص التي تحطمت وذلك في جميع أنحاء الخليج! كيف لا وجميع مناطق الخليج كآنية مستطرقة واحدة يغمرها مستوى مياه واحد، أو كأنما جميعها تمثلت في مسافرين فوق ظهر سفينة واحدة فإن لاح في الأفق خطر فإنه يداهم الجميع، فمغاصاتهم (هيرات اللؤلؤ) مشتركة ومتقاربة من بعضها يغوصون في أي هير شاءوا وفي أي حدود دونما تردد فلكل ساع منهم ما رزقه الله من أرضه الواسعة. فهذا بحراني يغوص في هيرات الكويت وذاك كويتي يغوص في مغاصات القطيف وقطيفي يغوص في أعماق هيرات البحرين وهكذا..

لقد كانت منطقة الهيرات الواقعة بين القطيف والبحرين (حسب تقرير لوريمر في كتابه "دليل الخليج العربي") هي من أكبر مغاصات اللؤلؤ عالميًا.

وكم من النفائس اليتيمة اكتشفت في هيرات القطيف؛ فهذا هو النوخذة الكويتي السيد هاشم الرفاعي الذي حصد آنذاك أكبر دانة في الخليج وقد كانت من أحد هيرات مغاصات القطيف والتي جاء بها إلى تاروت لتثمينها ثم باعها إلى الطواش الكويتي الكبير هلال بن فجحان المطيري بمبلغ وقدره خمسة وأربعون ألف روبية (45000 روبية)، ويقال: إن الطواش الكويتي هذا قد باعها بمائة ألف روبية (100000 روبية) لدرجة أن السيد هاشم أصبح يعرف فيما بعد بالسيد دانة.

لذا نجد أن أهالي الكويت خصوصًا وسائر أهالي الخليج عندما ينهمكون في العمل على الغوص لمدة 12 يومًا فإنه ينهك أجسادهم المرهقة مما يضطرهم للنزول في جزيرة دارين بالقطيف لمدة ثلاثة أيام وهي تعرف عندهم باليداف (الجداف)، وهناك تتم اجتماعاتهم وتبادل الأخبار والخبرات بينهم وتناقلها كما تعقد جلسات من أجل الاتفاقات على بيع اللؤلؤ وشرائه ووضع أسعاره، كما أنهم يتجهون لجزيرة تاروت للبيع والشراء وللتزود منها بما يحتاجونه من مؤن وكذلك لإتاحة فرص اللقاءات بزملائهم من القطيف والبحرين والكويت ومن بعض دول الإمارات الذين يصادف وقت نزولهم في آن واحد للتحدث في شؤون اللؤلؤ وتجارته وكذلك لينعموا بتذوق الرطب حيث كان أهل الكويت مغرمين بأكل رطب البكيرة وللحصول على ما تنتجه جزيرة تاروت والقطيف من بعض الخضار والفواكه والاستمتاع بالاستحمام في عين العودة بتاروت وخصوصا المصابين منهم بالأمراض التي تلحق بهم من جراء صعوبات الغوص وما يصابون به من أذى بعض الحيوانات البحرية كالحبوب والطفح أو النفر الذي ينتشر في جسم الغواص عندما (تبرك على ظهره اللخمة) ثم ينجو منها أو عندما يرميه ديك البحر بأشواكه ويتغلغل الشوك في جسمه أو عندما يضربه الرماي أو الدول بأشواكه أيضا أو لتضميد جروح من هاجمهم سمك القرش (الجرجور) وغرز أسنانه في لحومهم أثناء الغطس أو الغوص.

وأحيانا تكون محطة استراحاتهم في البحرين وقد كانت أكبر مركز تجاري للؤلؤ وكذلك للتزود منها وللعلاج والتداوي من بعض الأمراض البحريه -كما سبق ذكره.

تلك الأيام الثلاثة تكون لهم فرجا ومتنفسا ثم يعودون للغوض وأهواله ثانية وقد استعادوا بعض قواهم ودب النشاط في أجسادهم.

إن الأغلبية من سكان الخليج مضطرون لأن يمارسوا مهنة الغوض من أجل الحصول على كنوز اللؤلؤ فقد كان الرافد الأكبر لفيض الرزق الوفير على سكان مناطق الخليج في تلك الأيام تماما كما هو النفط في أيامنا هذه وإن كانت بعض المناطق تعتمد على الزراعة أيضا بالإضافة لصيد البحر، أما بعض المناطق الأخرى فلا مفر لها من دخول البحر وهذا ما جعل تلك الليلة الدامية تحصد أرواح أكثر من خمسة آلاف شخص وما نجا منهم إلا القليل، فبعضهم انقلبت سفنهم رأسا على عقب وقد تمكن البعض من الوصول وبصعوبة بالغة إلى (البوص) وهو جسر السفينة السفلي الذي أصبح في الوضع العلوي بعد الانقلاب فمكث متمسكا على مضض حتى هدأ جموح تلك العاصفة التي استمرت لأكثر من 40 دقيقة والقليل منهم من تمسك بقطعة خشب من حطام سفينته حتى رمته على الشاطئ وهو في أسوأ حال فنجا بأعجوبة!

وهذا ما حدثني به المرحوم الحاج أحمد الكوفي -عن أيام شبابه- ذلك الشاعر والناقد الكبير والذي ناهز المائة عام من عمره أو تجاوزها بقليل، لقد وجد نفسه (وهو يسبح بحطبته) على سواحل القطيف في اليوم الثاني بعد تلك الليلة الليلاء التي طبعت (أغرقت) بإعصارها سفينتهم وجميع السفن المجاورة لهم وبعد صراع مع الأمواج الهائلة التي رقصت فوق قممها أشباح الموت محاولة أن تراقصه معها ولكنه تمكن من الإفلات منها والوصول إلى السيف بإعجوبة. يقول: (بعدها كسرت الغوص بسندانه)، لقد ودعه الوداع الأخير الذي لا رجعة له فيه، ثم اتخذ بعدها مهنة (التصعيد) له عملا تاركا البحر وأهواله؛ (والتصعيد هي مهنة تقطير الزهور والأعشاب واستخلاص العطور ومياه الزهور ومياه الأعشاب واللقاح للشرب والتعطر والعلاج).

لقد تجاوز عدد الغرقى الخمسة آلاف نسمة ممن عملوا فوق سفن عديدة قدموا من أنحاء مناطق الخليج وتجمعوا حول الهيرات في عرض بحر الخليج، وقد تمكن لوريمر في عام 1907 من إعداد إحصائية لتلك السفن التي أعدت للغوص في كتابه "دليل الخليج العربي" إذ قام بحصر عددها ومن أين جاءت كل سفينة:
عمان: 1215سفينة و22045 بحارًا.
البحرين: 917 سفينة و17633 بحارًا.
قطر: 817 سفينة و12890 بحارًا.
القطيف: 167سفينة و3444 بحارًا.
الكويت: 461 سفينة و9200 بحار.
سواحل فارس: 924 سفينة و884 بحارًا.

لقد كانت "سنة الطبعة" كارثة موجعة للشعب الخليجي وأصبحت ملحمة تراجيدية يردد ذكرها الأجيال تلو الأجيال ولا تنسى أبدا، فحري بنا أن ندونها في مطلع سطور أحداث تاريخ الخليج.



أما ما لا نعرفه ولم نسمع عنه فهو الجانب المقابل وهو "سنة الطفحة!" هل سمعت عنها شيئا؟ أو تعرف لماذا لم تسمع عنها؟ هذا لأنها مثلت جانب الرخاء والخير في عالم الغوص من أجل اللؤلؤ! والخير -كما تعرف- وكما يقال دائما: "إن الخير يخص والشر يعم!" فهذا هو أحد الأسباب الذي اختفى خلفه خبر (سنة الطفحة).

وكلمة طفح هي من أصل عربي؛ فحين نقول -مثلا- طفح الكيل؛ فإننا نقصد أن الأمر بلغ حده ففي معجم اللغة العربية المعاصر: طفح الإناء أي امتلأ حتى فاض على جوانبه، وكذلك طفح النهر على شاطئيه، وطفح؛ بلغ الأمر حده، وهكذا طفح الكيل والميزان، وكذلك في معجم الغني: امتلأ حتى فاض وفي الرائد والمعجم الوسيط: طفح الإناء والنهر: امتلأ وفاض وكذلك مختار الصحاح امتلأ حتى يفيض وفي معجم الفقهاء بفتح فسكون هو الامتلاء، وفي لسان العرب: طفح الإناء والنهر يطفح طفحًا وطفوحًا امتلأ وارتفع حتى يفيض.

لقد كانت سنة الطفحة سنة خير وفير أنعم الله بها على هؤلاء الكادحين وبلغ نتاج الغوص ذروته وكان الغوص غوصين؛ الأول ينتهي قبل شهر رمضان والثاني يبدأ مع بداية شوال عام 1330 الموافق 1912 أي أنها سبقت سنة الطبعة بما يقارب الأربع عشرة سنة حيث امتدت فترة الغوص في ذلك الموسم إلى زمن أطول من الزمن المعتاد بشهر كامل وازدهرت تجارة اللؤلؤ في أنحاء الخليج إذ تراوح دخل حصاد اللؤلؤ في تلك السنة في المناطق الخليجية بين ثلاثة ملايين وستة ملايين روبية حسب ما تمتلكه المنطقة من عدد السفن وعدد من عليها من بحارة، وهذا مبلغ ليس من السهل ربحه في تلك السنين؛ فبدلا من أن ينتهي موسم الغوص في سبتمبر فقد امتد إلى منتصف أكتوبر 1912.

لقد عمت الفرحة بين أهالي الخليج حتى بلغ من الأمر إلى أن الأمراء قد شاركوا في فرحة شعبهم من الطواشين والنواخذة والبحارة فأرسلوا لهم رسائل التهنئة، فها هو أمير الكويت آنذاك الشيخ مبارك الصباح يهنئ في رسالة له أحد تجار اللؤلؤ (الطواش) شملان بن سيف وكانت في يوم 22 ذي القعدة 1335، الموافق 8 سبتمبر 1917؛ أي قبل القفال المعتاد بأسبوعين، وفيها يعبر عن سروره وأنها أبرك الساعات حين بشروه عن محصول جماعة أهل الغوص الذي امتد إلى شهر شوال ودعا لهم بتسهيل أمرهم وبالرزق الوفير.



لقد كانت "سنة الطبعة" كارثة موجعة للشعب الخليجي وأصبحت ملحمة تراجيدية يردد ذكرها الأجيال ولا تنسى أبدًا فهي حرية بأن يسطرها تاريخ الخليج في مقدمة سطور أحداثه.

[banner id="174996" caption_position="bottom" theme="default_style" height="auto" width="auto" show_caption="1" show_cta_button="1" use_image_tag="1"]


error: المحتوي محمي