تصدّر حديثه قائلًا: "الكلام مثل الدواء إذا أقللت منه نفع وإن أكثرت منه صَدَعَ"، كنت أستمع إليه حرفًا حرفًا وكلمة تعقبها كلمة اصطفت بأجمل نسْق وكأنه لحن موسيقي يستلذّ به أصحابه.
كلامه كمحاضر ناجح أثرى العقل وأمتع الوجدان، ولغته البسيطة أضافت إليه حضورًا متفاعلًا. أعجبني ذلك كله لكن ما تصدّر قائمة إعجابي وإعجاب الناس به هو تركه للمجادلة وإثبات الخطأ على مجادليه في بعض المواقف مما أكسبه وقارًا واحترامًا.
إن جدال الطرف الآخر خصومة وطالب الجدال لا يمكن وصفه بكمال العقل وإن اتّصف أحيانًا بالدهاء إذ يعد الجدال من علامات التعسف يتحيل صاحبه فرص الانتصار على خصمه ليتشفى منه.
قال تعالى في كتابه الكريم:
﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾...
إن الجدال لغة ممقوتة، يفسد العلاقات، ويقطع أواصر الأرحام، بل تعدى ذلك لإفساد بعض العبادات...
قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾...
ومع صاحبك المُجادِل، وضعت نفسك بجوار المستنقعات الآسنة، وأبحرت معه بأشرعة ممزقة لذلك فإن تركه أسلم ومدعاة التحرر من قيد جدله أفضل.
ومهما طوّعت جميع إمكانياتك في حلبة النقاش سوف تستهلك من قوتك وصحتك وتعود لنقطة البدء مثْبطًا...
لذلك دعا الإسلام لترك الجدال ونبذ التخاصم الذي يتمخّض عنه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا...".
إن للحديث مع الآخر لحنًا يفهمه أرباب الذوق فكن أحد عازفيه وإن اجتماع الكلمة بين المتحابين من أقوى مكونات العروش القويّة، وأمنع القلاع العتيدة. أما الاختلاف والجدال مقوض سريع للحب لا يخرج من تحت جناحيه غير الضعف والتفكك، ويمحو معالم القوة بين الأفراد في مختلف منظومتهم الاجتماعية والأسرية.
قال عبد اللّه بن عباس رضي الله عنهما: "كَفَى بِكَ إِثْمًا أَلا تَزَالَ مُمَارِيًا، وَكَفَى بِكَ ظُلْمًا أَلا تَزَالَ مُخَاصِمًا".
أُنهي حديثي بعبارة جميلة للكاتب الدكتور صلاح الراشد يقول فيها:
"تعلّم أن تنسحب من الجدال ولو كنت محقًا، لا بأس أن تكون محقًّا دون أن تبين أنك محق" وخاصة عندما يعلم الجميع مسبقًا بأنك ترتدي لباس الصدق ويؤمنون بذلك.



