05 , أبريل 2026

القطيف اليوم

«التنبيه على خزنة» !!!! أسطورة سادت ثم بادت

حكايات كثيرة قصتها جداتنا عن كنوزٍ عثر عليها أناس من الزمن البعيد، في جرةٍ وأخرى في صُرّة يُقال عنها "خزنة" باللهجة المحلية، والخزنة هي ما يُدَّخر، ومكان لحفظ الأشياء المهمة.

تقول إحدى النسوة الكبيرات في السن: "بين اليقظة والمنام يرى النائم رؤيا تحثه على النهوض والتوجه إلى مكانٍ ما لأخذ رزقه سواء كان في منزله أو في غرفة نومه تحت وسادته، فيذهب جريًا للمكان المحدد دون أن يُعلِم أحدًا بما رآه في منامه، ويبدأ في حفر الأرض إلى أن يجد ما أُخبر به، ويبدأ بتوزيع ما يجده من نقود على الفقراء والمساكين، ثم يتصرف بها لنفسه لمدى الحياة لهذا سميت "خزنة" لأنها مال لا ينضب، بشرط أن يظل الأمر سرًا بينه وبين نفسه، وبمجرد أن يعلم الناس بأمر خزنته تتحول إلى خزف أو أحجار لا قيمة لها".

حكايات بعضهنّ حقيقية، وجزء من تأليفهنّ، ولا أحد يستطيع أن يؤكد إن كانت تلك الأساطير والحكايات التي تُروى عن الكنوز موجودة فعلًا، أم أنها ضرب من الخيال؛ غير الباحثين والمهتمين بالتراث الشعبي والتاريخي لمنطقة تقع في مفترق طرقٍ ما بين العديد من الثقافات والحضارات.

شواهد تاريخية
الباحث في التراث الشعبي زكي الصالح يقول لـ«القطيف اليوم» إن المعاجم اللغوية عَرَّفت الكنوز المدفونة بأنها ما دُفن في بطن الأرض بفعل الإنسان مما له قيمة، سواء أكان في صورة ذهب أو فضة أو ما في حكم ذلك، وعلى هذا الأساس نستطيع القول بأنه لا شهرة لوجود كنوز مدفونة بالقطيف؛ فالأمم والأقوام التي عاشت في القطيف لم يذكر التاريخ أنها خلفت وراءها كنوزًا ودفائن من الذهب والفضة، نعم يتداول الناس رواياتٍ عن العثور على بعض الجرار الفخارية بها مسكوكات فضية، كما في الأخبار المنقولة عن كبار السن في العوامية عن العثور على جرة فخارية في نخل "الإسماعيلي"، وأخرى عند حفر أساسات بيت في المسوّرة بالقرب من بيت عمدة العوامية مهدي بن عبد الله الفرج، تقاسم مسكوكاتها عمال البناء الذين عثروا عليها (العوامية تاريخ وتراث ص 39)، كما نقل المؤرخ محمد سعيد المسلم في كتابه "القطيف واحة على ضفاف الخليج" عن العثور في تاروت على تمثال لعشتاروت من الذهب الخالص (ص13)، ومجموعة من المسكوكات الفضية الساسانية في جزيرة دارين عام 1401هـ (ص73).

روايات موروثة
وبَيَّن "الصالح" أن هذه الروايات لا يمكن الجزم بدقتها وصحتها جميعًا، ولكن من ذلك نستثني العُملات الساسانية التي عثر عليها في دارين، فهي موجودة فعلًا ومعروض بعضها في متحف الدمام الإقليمي، والبعض الآخر في المتحف الوطني بالرياض، ولذلك لا نجد في القطيف ظاهرة البحث عن الكنوز المدفونة كما في بعض مناطق المملكة والبلاد العربية لعدم وجود هذه الشهرة عنها.

لا تقول
أما عن أشهر أساطير الكنوز، فيذكر أنه في المعتقد الشعبي القطيفي توجد أسطورتان، الأولى تعرف بـ"التنبيه على الرزق"، حيث يعتقد الأولون بأن من أسباب الغنى والثراء هو أن يتم تنبيه الشخص النائم على رزق قسمه الله إليه وهو عبارة عن كنز من المال مدفون في مكان ما يأتيه هاتف في المنام يخبره بعنوان وأوصاف المكان فيتبع الشخص حين استيقاظه الوصف المعلوم، بشرط ألا يخبر أحدًا بأمر الرؤية ويشرع في الحفر حتى يعثر على الكنز الذي بُشر به، وكلما أنفق منه يتجدد مال هذا الكنز ولا ينفد.

ويتابع: "تحذر الأسطورة من أن يتحدث الشخص بما نُبِّه به في المنام وإلا تحوّل الكنز إلى مجموعة كسر فخارية (خشوف)، ولذلك تنصح الأسطورة بتخميس الكنز والإنفاق منه على الفقراء حتى لا يصاب الرزق بالمسخ، وينقلب إلى خشوف، وهذا يحدث أيضًا إن حدث وأفصح الشخص عن مصدر الخير الذي هو فيه، وتقول الأسطورة أيضًا إنه في حال لم يتفاعل الشخص المنبه على رزقه مع رؤية المنام في الليلة الأولى فإن الأمر يتكرر معه في الليلة الثانية وبوصف مختلف للمكان، وإذا لم يعر بالًا لها تتكرر له الرؤية في الليلة الثالثة، وبوصف مختلف عن الثاني وهي الفرصة الأخيرة له بعدها يتوقف تنبيهه على رزقه.

شميعة الخير
أما عن الأسطورة الثانية، فيوضح "الصالح" أنها تسمى "شميعة الخير"، وهي عبارة عن ضوء شبيه بضوء الشمعة تظهر في الليل فإذا صادفها الشخص عليه أن يغطيها بخرقة حمراء اللون ثم يضعها في صندوق حيث تتحول إلى كنز لا ينفد من المال مهما صُرف منه، وحتى لا يصاب بالمسخ فيتحول إلى خشوف عليه أن يلتزم الصمت ولا يحدث به لأحد إلا بعد أن يقوم بإخراج خمسه والإنفاق منه على الفقراء والمساكين.

الخزنة
ويشير إلى أن أسطورة "الخزنة" هي نفسها ما تعرف بـ"التنبيه على الرزق"، والاختلاف في المسميات ناتج عن اختلاف مناطق تواجد الأسطورة.

خيال البسطاء
ويؤكد الباحث في التراث الشعبي أن هذه الحكايات التي تتحدث عن وجود كنوز مدفونة مجرد خيال نسجته مخيلة الناس البسطاء المعدمين الحالمين بثروة تنتشلهم من واقعهم البائس والمرير.

جرار حقيقية
أما الباحث التاريخي سلمان الرامس، فله رأي آخر، فهو يقول إنّ وجود الجرار الفخارية المدفونة في منطقة الساحل الشرقي للجزيرة العربية بشكلٍ عام أمر طبيعي جدًا، وقد عثر فعلًا على جرار كثيرة بها حليّ ونقود معدنية في رحلة التنقيب والاستكشافات التي حدثت سابقًا، وبعضها كان عبارة عن قبر به هيكل عظمي على شكل قرفصاء به بعض النقود المعدنية.

الأسطورة والتاريخ
ويشير الباحث إلى أن هذه الجرار الفخارية المملوءة بـ"العملات المعدنية" تعود إلى عهود قديمة جدًا، كالتي عثر عليها فريق البحث والتنقيب في الهيئة العامة للسياحة والآثار بمقبرة "دارين" عام 2010 والتي تعود للحقبة الساسانية، لكن كبار السن عادة ما يدخلون الأسطورة في مروياتهم عن الكنوز التي يعثرون عليها في أراضيهم.

متروكات قبل الميلاد
ويوضح "الرامس" أن كثيرًا من هذه المتروكات الأثرية قد تعود إلى ما قبل الميلاد بكثير، وبعض الذي عثر عليها متأكسدة، وأخرى مهترئة جدًا، على عكس النقود الساسانية والتي تعود إلى ما قبل الإسلام بقليل، كان بعضها في حالةٍ جيدة.

الحقيقة والسراب
"الرامس" يؤكد أنه "لو ادعى أحدهم أنه عثر على "جرة"، أو كما يقول عنها بلهجته المحلية "خزنة"؛ فهو صائب فيما يقول، لأننا لا نستطيع إنكار ذلك مع وجود دلائل حقيقية وقفتُ عليها شخصيًا وسمعتها من كبار السن الفلاحين الذين كانوا يحرثون الأرض، ويجدون جرارًا مملوء بالنقود المعدنية، والهياكل العظمية".

ويقول: "هذه الرواية التي كان يحكيها الفلاحون ليّ مطابقة تمامًا ودقيقة لرواية فرق البحث والتنقيب في الهيئة العامة للسياحة والآثار ومهتمين بالآثار والعملات القديمة التي وجدوها في أماكن متفرقة من الساحل الشرقي للجزيرة العربية".


error: المحتوي محمي