12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

إياكِ أعني واسمعي يا جارة

مثل لطيف يجعلك في أمان في ظل المتناقضات التي نعيشها؛ حيث يضرب هذا المثل للشخص الذي يريد أن يخبر غيره بما يدور في خلجاته بطريقة غير مباشرة، أو حينما يقول الشخص كلامًا، وهو يرمي لكلام آخر.

نحن في زمن الفهم الخاطئ والحكم المسبق وسوء الظن وارد ولكن هذا لا يعمم، فهناك قلوب بيضاء نقية على نياتها فإن خاننا التعبير لم يخنهم الفهم وإن خانتنا المفردات أصلحوا نواياهم.

مثلما نقول: "يفهموها وهي طايرة"، سواء كان عن طريق النظرة أو الابتسامة أو العبوس؛ وهي تعابير جسدية في بعض الأحيان تغني عن الكلام ولكن الكلمة الطيبة والحوار الهادف هما رسائل السلام التي نوجهها للآخرين.

لتكن رسائلنا للآخرين رسائل صلح وأمان وعفو وسلام واطمئنان وتجاوز عن الهفوات ولا تكن رسائل عداء وتهجم ولوم وظن سيئ.. فالإمام علي (عليه السلام) يوجهنا إلى الطرق السليمة للتعامل مع هفوات الآخرين؛ فقال: "السيف قد ينبو، والجواد قد يكبو".

إن وظيفة المؤمن عندما يسمع من أخيه كلمة سيئة أن يعمل بهذه الروايات: التي وردت عن الرسول الأكرم (ص) قوله:(إحمل أخاك المؤمن على سبعين محملًا من الخير).. وعن أمير المؤمنين (ع): (لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مُحْتَمَلًا)!.. وعن الصادق (ع): (إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا.. فإن أصبته، وإلا قل: لعل له عذرًا لا أعرفه).

وليس معنى ذلك أن نكون كالنعامة، تدس رأسها في الرمال، وتقول: ليس من صياد!..
بل يجب النصيحة والحذر والحيطة في نفس الوقت، فكل منا له هفوات وأخطاء يحتاج إلى من يأخد بيده ويدله على الجادة ولكن من غير أن نكون سيوفًا وسكاكين تجرح ولا سياطًا تجلد ولا ملحًا يصب على الجروح بل نكون بلسمًا يداوي الجراح الملتهبة؛ فالتوجيه غير المباشر والطلب غير المباشر أسلوب راقٍ جدًا في التعامل مع الشخصيات وخاصة الحساسة منها.. فعندما نريد التوصل إلى معنى الكلمة نستخدم معكوسها للاستدلال على معانيها.

فالنقذ المباشر وخاصة اللاذع والتهجم من الأساليب التي يتبعها بعض الأشخاص لفرض رأيهم بحجة أنا لا أجامل ولا أنافق وما عندي لف ولا دوران هذا عندما يتعلق الأمر بغيره فهو يضع نفسه وضع الناقد الحاذق الذي لا يخطئ وإن نظرته هي النظرة الصائبة دائمًا وأبدًا ولكن عندما يتعلق الأمر به لا أحد يدوس له على طرف تقوم القيامة.

فهذه القوالب الموجودة في مجتمعنا كثيرة.. وهؤلاء ينظرون للآخرين نظرة الدونية بسبب النقص والخلل الداخلي عندهم نراهم كالجلادين بألسنتهم ينهالون عليك بالكلمات الجارحة التي تنزل عليك كنزول الصاعقة.

والقرآن الكريم يضع لنا قاعدة أساسية للتوجيه والإرشاد؛
قال تعالى:
(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [سورة النحل: آية 125].

وفي النهاية نتزود من باب مدينة العلم ما يغنينا في هذا المجال ويصلحنا.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): "لا تكن ممن ينهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي، يصف العبر ولا يعتبر فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن".
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): "ليكن أحب الناس إليك من هداك إلى مراشدك، وكشف لك عن معائبك".
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): "من حذرك كمن بشرك، من تجرأ لك تجرأ عليك".
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): من وعظ أخاه سرًا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه".
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): "أحصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك".
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من صحّت ديانته قويت أمانته.. من صدقت لهجته صحّت حجّته".

وكل هذه الأحاديث الكريمة قريبة المعنى من قوله (عليه السلام): "من نصح نفسه كان جديرًا بنصح غيره".
غرر الحكم ص225ح 4564


error: المحتوي محمي