كان الشكل العام لمساجد القطيف القديمة - على صغر معظمها أو كلها أن شئت - ذا طابع عملي بسيط وجميل رغم الأقواس والزخارف التي تزين بعضها.. أود هنا أن أؤشر على نقطة أراها مهمة وهي - قبل أربعة عقود تقريبًا - عدم وجود دورات مياه في (أغلب) مساجد القطيف.
كان الناس هنا يعيشون في معظمها على درجة الكفاف في كل شيء تقريبًا، وبما أنها هي التي تبني المساجد تلك، كانت دورات المياه للمسجد تعتبر شيئًا زائدًا أو من الترف، حيث كان يكتفى بموقع صغير جدًا فيه عدة أباريق ماء للوضوء قبل استخدام أسلوب خزان الماء.
الانتقال إلى مرحلة بناء دورات مياه للمساجد احتاج إلى نقاشات طويلة وساخنة بين مؤيد ومعارض سعى وبذل فيها الخيرون كل ما استطاعوا بالرغم من بساطة الطلب، كانت أقوى حجة التيار المعارض لبناء دورات مياه المساجد هي أن موقع دورات المياه ليس ملكًا أو ضمن وقف المسجد وإنما هو عادة ما يكون جزءًا من طريق أو أرض مشاع أو لمجهول المالك.
إن الخدمات البلدية المتواضعة الجودة كنمط وأسلوب ممنهج وكذلك بعض التصريحات والتصرفات غير الموفقة تجبر الذاكرة على تذكر مثل هذه المراحل، وكأن الهدف هو تجاهل كل أهداف رؤية المملكة وما يحدث ونشاهده من حراك تطويري، والعودة لنفس مستوى هموم مرحلة سابقة كانت فيها البنى التحتية غائبة والموارد شحيحة ومستوى التعليم والوعي ليس في أحسن حالاته.
كل هذا هو رسائل سلبية للجيل الحالي وللأجيال القادمة لتخفيض مستوى الطموح والتوقعات، وكأننا لسنا "جيلًا طموحه السماء" يحق له أن يرى خدمات بلدية ذات جودة مقبولة نستمتع ونفتخر بها كما يستمتع ويفتخر أي بلد بتفوق منتخبه في لعبة رياضية ما.
لقد شاهدنا معاناة بعض البلديات في إنشاء وإدارة وصيانة مختلف الخدمات البلدية بسبب طبيعة أرض وموقع المدينة التي تقع تحت مسؤوليتهم بل حتى طبيعة المجتمع المحلي الذي يتعاملون معه، لكن أرض القطيف هي أرض زراعية منبسطة لا جبال تعوق ولا سيول تسيل، ولا تربة تنجرف، ولا ضخرية تمنع ولا رملية تزحف، ولا زلازل ولا أي من المشكلات التي تعاني منها مدن أخرى في المملكة، أضف لذلك ميزة وقوع المدينة بين تجربتي الهيئة الملكية للجبيل وشركة أرامكو في إدارة المدن، والمدينة الأقرب للمطار وإطلالتها على مينائي الدمام التجاري ورأس تنورة النفطي من جانب والصحراء من جانب آخر.
لم أر مدينة في المملكة توافرت فيها كل هذه الخصائص وكل هذا التاريخ والتراث كما هي أرض القطيف، إنها منطقة تقول للبلدية ومختلف الأجهزة الخدمية: "هيت لك".
لعل البعض مازال يريد دراسات تثبت العلاقة بين جودة الخدمات البلدية وتأثيرها الإيجابي على الصحة العامة ومستوى التعليم والحركة التجارية والاقتصادية والاستثمارية والسياحية للمدن، حسنًا نتقبل هذا وإن كان على مضض، لكن ليس العودة إلى مرحلة مناقشة جدوى وأهمية دورات المياه في المساجد أو سماع عبارات التنصل من المسؤولية.
إننا ما زلنا ننتظر الإجابة على السؤال المؤرق والمتكرر: لماذا الأداء والخدمات البلدية بمعايير متواضعة؟



