لغتنا المحكية تُسمع بشكل مثالي من الأمهات اللائي تجاوزن الـ"سبعين"، لعدة أسباب وعوامل منها: عدم انخراطهن في التعليم النظامي، مكتفيات بالـ"معَلِّم" الذي أحسن نطقهن وجوَّد حروفهن (هن البقية من لساننا القديم الذي لم يغتاله التهجين والعِوَج)، إضافة لقلة مخالطتهن المباشرة لألسن أخرى، وطفيف تأثرهن بالإعلام فقد تفاعلن معه متأخرًا؛ وعليه لم يُخدَش نضجهن الكلامي بطارئ المفردات والتعابير، بل ظل عتيقًا أصيلًا متوارثًا.
في حديثهن نسمع إيقاع وانطلاق بدون "ركاكة وتأتأة ولفيف جمل نشاز غير متجانسة"، الآن نسمع أحدهم في مجلس "يبربر ساعة، يصج فيها الرؤوس.. أخيرًا؛ "ما يركب جملة سنعة، غير هدرة تفَشِّل"!
شخص أعرفه؛ أعقب نصًا تم توثيقه "نقلًا محكيًا" وافيته به في شهر رمضان الفائت، كان جوابه صوتيًا بحوار لطيف أجراه مع والدته "متعها الله بالصحة والعافية" فهي عايشت تلك الحقبة، كلامها وفق سجيتها بدقة تعبير ووصف صائب الفكرة، حاليًا نلمس اضمحلال هذا النموذج في المحاكاة وإيصال المفاهيم والمواقف.
هذا الموروث الثمين يحتاج لانتباه شبيه بما فعله العرب الحضر في الماضي الغابر؛ بتعريب أولادهم لدى أهل البادية ليكون لسانهم نقيًا فصيحًا، الآن يمكن ذلك بزيارة ومكوث صغار اليوم عند جداتهم، في حضرتهن الاستماع والانصات والمسامرة نحو الاستفادة التلقائية، ما يصحح ويعالج الكثير من الإعوجاج اللفظي المتأثر إعلاميًا بما هب ونشز ودب، ولتدارك الاندماج والعيش في ملكوت "الكراتين" وأقوال شبيهة بـ"دعونا نسنفر يا سنافر"!
تنبيه: لا يُفهَم مما ذُكِر أن التعليم النظامي الحديث أضر بالنطق الأصيل؛ الفكرة مجرد التفاتة وملحوظة وسياق يدركه الكثير.. لا أكثر.



