أن تكون مثقفًا تلك جمالية بحد ذاتها، أما أن تكون عاشقًا ثملًا بها فتأتي فوق الجمالية مسافات من التيه، كيقظة واعية الاستيقاظ، إنه لا يتقن اللغة إلا من تمكن العشق ذاته في ذاته وروحه وقلبه، هنا يسرقنا البصر حيث اللهفة تبحرها اللحظة إلى «مكتبة جدل»، نقود مجداف قارب اليراع، حيث ترابها في بلدة «أم الحمام»، بمحافظة القطيف، لنقرأ أحرفها في حوار مع عاشق الكلم والكتاب؛ مؤسسها علي الحرز، الذي جسّد كل معطيات الإنسان المثقف من عتباتها لرفوفها ومعرضها الفوتوغرافي والتشكيلي؛ متحفها التراثي، ليجمع الكلمات عناقًا بجانب حدائق العينين بصريًا.. لا يسعنا عطفًا على ما أبداه الحرز، إلا أن نرخي لنصغي لهذه الرحلة الثقافية والجمالية، يختصرها بـ45 عامًا من الجهد، في نبضاته، يزرعها ما بين ساحة «القطيف اليوم» كرائحة البنفسج والياسمين، ويهديها الآن لنصغي.
س: عرفنا على بطاقتك الشخصية والعلمية؟
ج: علي الحرز، من مواليد بلدة أم الحمام، عشت كالكثير من أبناء جيلي في مجتمع ريفي ومن عائلة كذلك كما يقول الشاعر الراحل محمود درويش: أنا من أسرة المحراث، أي من عائلة «فلاحية»، لأب أمي وأم متعلمة -ملاية-، ولأني كبير الذكور، لم يتسن لي الذهاب إلى المدرسة مبكرًا، حيث كنت أساعد والدي على صغر سني في أعمال الفلاحة، وفي سن العاشرة التحقت بتعليم الكتاتيب، وأتقنت القراءة ومسائل الحساب، لمدة سنتين، ثم التحقت بالتعليم الحكومي وعمري اثنا عشر ربيعًا، وعند انتهاء الفصل الرابع الابتدائي توفي والدي، وبكوني كبير العائلة من الذكور اضطررت إلى الخروج من المدرسة، كي أعمل في البناء نهارًا، وأدرس في المساء، بعدها التحقت بأحد المعاهد الصناعية، ثم التحقت بشركة أرامكو السعودية، وأنهيت المقررات الدراسية في مدارسها.
س: ما المواهب التي تتمتع بها وتمارسها؟
ج: مع شديد الأسف، ليس لدي مواهب إلا ما له علاقة بالشأن الثقافي، وهو ما يشغل وقتي طوال اليوم.
س: من لغة الأرقام متى بدأت إنشاء "مكتبة جدل" وما سبب تسميتها بهذا الاسم؟
ج: حول "مكتبة جدل"، كانت البدايات متواضعة ولم يكن لها هذا الاسم، حيث إن "جدل" لم يطلق عليها إلا مؤخرًا، ولهذا الاسم في تراثنا المقدس نصيب، حيث إن إحدى سور القرآن اسمها "المجادلة"، وفي التراث الفلسفي هناك ثمة مصطلح له شهرة كبيرة ألا وهو "الديالكتيك"؛ أي "الجدل"، خاصة عند الفيلسوف الألماني "هيجل".
س: كم عمر المكتبة الزمني للآن؟
ج: عمرها الزمني أو لنقل "المداميك" الأولى وهي ما يقارب خمسة وأربعين عامًا.
س: كم مساحة المكتبة طولًا وعرضًا؟ وهل ثمة مشروع لتصبح أكبر مما هي عليه الآن؟
ج: "مكتبة جدل" على مساحة ما يقرب من مائتي متر مربع، وإلحقت بالمكتبة قاعة عبارة عن متحف.
س: الجانب المادي بين ساحة "مكتبة جدل" لهذه اللحظة بكم تقدر المصروفات التي صرفت على كل جزء، وكل حرف ولون فيها؟ اذكر عددًا تقريبيًا إن خانتك الذاكرة عن العدد الفعلي؟
ج: عندما يتحول هذا الشغف إلى مرحلة "الببلومانيا" يصبح الكتاب مساويًا لرغيف خبز عيالك، وتقضم المكتبة جل مساحة المنزل، فنحن أمام أرقام مالية كبيرة تصل إلى الملايين.
س: ما أبرز الصعاب التي واجهتك في اقتناء الكتب؟
ج: بخصوص الصعاب؛ كانت في الماضي صعوبة في توفر الكتب في المكتبات، ولا بد أن تشبع نهمك في الذهاب إلى الكثير من الدول كي تحصل على مطلوبك وفيها من الصعوبة الكثير.
س: لحد الآن كم عدد الكتب التي تحتضنها مكتبة جدل؟
ج: يبلغ عدد ما تحتويه مكتبة جدل أكثر من ثلاثين ألف كتاب، وأكثر من مائة ألف جريدة ومجلة، بعضها له قرن من الزمان، كذلك أرشيف من قصاصات الجرائد، تحتضن كل ما يكتب عن محافظة القطيف في الجرائد السعودية.
س: بالنسبة لك أي نوع من الكتب تستهويك؟
ج: هي عبارة عن محطات كثيرة في حياتي، فكل فترة زمنية لها طابعها من القراءة، والآن أكثر ما أقرأه في الفلسفة و"الأنثروبولوجيا"، ومقارنة الأديان و"الميثولوجيا".
س: كم ساعة تقضيها يوميًا بين أروقة المكتبة؟
ج: إن لم أذهب إلى حضور منتديات ثقافية بالضرورة أكون في المكتبة، وهي من أسعد لحظاتي حينما أكون متوحدًا في هذه الصومعة كحال الصوفي في صحوه وسكره.
س: على المستوى الشخصي هل لديك مؤلفات من نسج يراعك؟ ما هي؟
ج: في الوقت الحالي ليس عندي وقت للكتابة بسبب موضوع توثيق كل ما يكتب في الجرائد عن محافظة القطيف، الذي يستغرق يوميًا أكثر من سبع إلى ثماني ساعات، ما بين متابعة الجرائد والقص واللصق.
س: أول كتاب اقتنيته ما هو؟
ج: من بواكير ما اقتنيه من كتب والذي أفتخر به هو كتاب "سيرة عنتر"، ويأتي في ثمانية أجزاء، كان المرحوم الدكتور شوقي ضيف، يطلق عليها "إلياذة العرب"، على غرار "إلياذة هوميروس"، بعدها اقتنيت كتاب "جواهر الأدب" لمؤلفه أحمد الهاشمي، ومنذ ذلك التاريخ؛ أي قبل خمسة وأربعين عامًا أنا وكثير من الأصدقاء أصبحنا قرناء الكتاب، أو ما يعرف بـ"الهوس بالكتاب"، وإن شئت "الجنون بالكتاب"، أي "ببلومانيا".
س: ما أثمن وأقدم كتاب في مكتبتك؟ ومن هو مؤلفه وإلى أي زمن يعود؟
ج: يبقى أثمن كتاب عندي، هو "سيرة عنتر"، التي نقلتني إلى عوالم الثقافة، وهذا الحب، يأتي حبًا معنويًا، أما على مستوى النوادر من الكتب فهو مجلة قديمة تسمى "صحف أبو نظارة"، جمعت هذه الأعداد في سبعة مجلدات كبار، وهذه المجلة كانت تصدر في باريس فترة الصراع الفرنسي الإنجليزي على الشرق، في بداية القرن التاسع عشر الميلادي.
س: في أسرتك من أخذ منك هذا الاتجاه الثقافي وتعلقك بالكتب؟
ج: في عائلتي هناك من له اهتمام ثقافي، ولكن على نطاق ضيق، وأما على مستوى أسرتي الكبيرة وهو أبناء مجتمعي سواء محيطي القريب أم البعيد فأقولها وأنا مطمئن، بأن هناك من يفتخر بهم الوطن.
س: ما هي الأساليب التي تتبعها المكتبة لتقديم خدماتها للقراء؟ وهل تتيح خدمة الإعارة للكتب؟
ج: المكتبة؛ هناك من يؤمها للقراءة والاطلاع، أما بخصوص الاستعارة فالتجربة غير مشجعة.
س: هل فكرت في إتاحة المكتبة للقراء إلكترونيًا خاصة أن الضفة الإلكترونية تستحوذ على الإنسان في عصرنا الحاضر امتدادًا في خيوط المستقبل؟
ج: في تقديري فإن إتاحة الفرصة للقراء إلكترونيًا هي صعبة بالنسبة لي، وهناك هيئات اجتماعية ورسمية على مستوى في العالم العربي، من يقوم بهذا الدور أفضل مني.
س: كثير من الزيارات للمكتبة كانت من قبل مهتمين أي الزيارة التي تعني لك الشيء الكثير؟
ج: إن الكثير من الزوار، من داخل الأسوار الجغرافية للوطن، ومن خارجه، وهي كثيرة على مدار العام.
س: أين يمكن الجانب التوثيقي في "مكتبة جدل"؟ وما هي أساليبه التي تتبعها؟
ج: طريقتي في التوثيق هي التعامل مع كل ورقة الآن، أو أي مادة سوف تكسب صفة وثيقة تستفيد منها الأجيال القادمة، وهذا ما استفدته من منهج مدرسة الحوليات الفرنسية.
س: هل تحتوي المكتبة على مخطوطات قديمة؟ ما هي؟
ج: مع شديد الأسف أن المكتبة لا تحتوي على أصول المخطوطات، بسبب غلاء أسعارها، ولكن مكتبة جدل، تحتوي على مصورات، لمخطوطات بتصوير فني مطابقة للأصل، وتحتوي كذلك على الكثير من الطبعات الأولى، للكتب التي تعتبر الآن في حكم النوادر.
س: بالنسبة، لزاوية التوثيق والمتحف بجانب المكتبة ماذا يحتوي من قطع أثرية؟
ج: اهتمامي متركز على الكتب، وعملت هذا المتحف الذي مازال في طور النمو، كي أربط هذا الجيل، خاصةً الطالبات والطلبة حاضرهم بماضيهم، وأن تكون زياراتهم ليس للمكتبة فقط، ولكن للمتحف ومعرض الصور، أما موجودات المتحف، فهي كثيرة وكل ما كان يستخدم من قبل أجدادنا وآبائنا وجيلنا له وجود بين أروقته، ولدي "روايدو" قديمة جدًا، وكذلك ساعات قديمة و"كاميرات"،ث قديمة، بالإضافة إلى العملات والطوابع القديمة.
س: توثيق ما يأتي في الصحف الورقية حدثنا عن الهدف منه؟ هل لديك توثيق بصري من خلال الصور أو مقاطع الفيديو؟
ج: نعم يوجد لدي توثيق بصري من خلال الصور، ما يزيد على خمسين ألف صورة، أما الجانب الآخر من التوثيق؛ أي مقاطع الفيديو فهي قليلة جدًا.
س: هل تحتوي المكتبة على قسم للإهداء؟
ج: طبعًا، بعض الكتب ربما تتوفر عندي أكثر من نسخة لها فأقوم بإهدائها للزوار والطلبة من الجنسين.
س: ما هي الخطوات التي قمت بها لتبقى هذه المكتبة الثمينة للأجيال القادمة؟
ج: المكتبة والمتحف سوف يوقفان للأجيال القادمة، إنه ماضينا وحاضرنا ننقله لجيل المستقبل.
س: هل شاركت في محاضرات ومنتديات؟ ما هي؟
ج: شاركت في عدة منتديات وهيئات ثقافية مثل منتدى الفنار في مدينة سيهات، ومنتدى الثلاثاء، ولجنة سنابس، وغيرها من الفعاليات، التي تقام في مكتبة جدل.
س: في دنياك الثقافية هل ثمة تكريم لكم؟ كذلك إنجازات على المستوى المحلي والخارجي على حد سواء؟
ج: لقد كرمت كثيرًا من المنتديات والهيئات الثقافية من أبناء مجتمعي، أما خارجيًا، فلم نوفق إلى هذا التكريم.
س: كيف تقيم مستوى المجتمع في محافظة القطيف في تعلقه مع الكتاب الورقي؟
ج: يعتبر المجتمع في محافظة القطيف في الطليعة على مستوى الوطن، وذلك لكثرة الفعاليات والمنتديات الثقافية، التي تقام في المنطقة، وأنا من خلال استقبال مكتبة جدل، لكثرة الزوار، ألمس هذا العشق والتعطش للثقافة.
س: من الملاحظ أن الإصدارات في محافظة القطيف تتجه في معظمها الاتجاه الأدبي بمختلف ألوانه، في حين أن الإصدارات الثقافية والفلسفية، والاجتماعية... إلى آخر القائمة تعد شبه معدومة أو غير بارزة في الأفق؛ ما تعليقك؟
ج: الإنتاج الفلسفي على مستوى الثقافات العالمية يعتبر قليلًا بالنسبة إلى غيره من المجالات الثقافية، خاصة أن الفلسفة لم تتوطن في الجامعات السعودية، ومن بذاته شغف فلسفي هو اجتهاد شخصي من خلال الاعتماد على التثقيف الذاتي، لكن في الآونة الأخيرة خرجت بعض العناوين على مستوى الإنتاج الفكري والرزين.
س: برأيك هل تعاني المجتمعات الثقافية والأدبية من ظاهرة الشللية خاصةً في مجتمع محافظة القطيف؟
ج: ظاهرة الشللية الثقافية موجودة وبقوة في مجتمعنا السعودي على طريقة المثل الشعبي "شد لي وأقطع لك"، ومجتمعنا لا يشذ عن هذا المنحى، أي هو مبتلى بهذه الشللية، وإن كان على نطاق ضيق.
س: يرى البعض أن الشغف في إطلاق الإصدارات من الكتب لكل من "هب ودب" جعل الحالة الثقافية والأدبية تتراقص على وتر "الهشاشة" وعدم النضج.. هل تتفق معهم؟ ولهم؟ ماذا تقول؟
ج: ليكتب كل من يستطيع أن يكتب، والناس والتاريخ هما الحكم، حتى الناس الذين يكتبون "ما هب ودب" سوف يراجعون حساباتهم الثقافية، ويصقلون مواهبهم، عندما يتعرضون للنقد الإيجابي.
س: هل تمارس الرياضة قديمًا وصولًا إلى يومنا هذا؟
ج: كنت منتسبًا لنادي الابتسام في لعبة السلة ولعبة الدراجات، وبعد سنوات رجعت للنادي مديرًا ومشرفًا للدراجات، حيث أخدنا زمام المبادرة في احتكار البطولات، بعد أن كانت محتكرة لنوادٍ عريقة في هذه اللعبة كنادي مضر.
س: كيف توصف علاقتك بقنوات التواصل الاجتماعي السوشيال ميديا؟
ج: علاقتي بقنوات التواصل الاجتماعي هي في مستواها المتدني، وعلى نطاق ضيق، ليس لدي إلا "الواتساب"، وحساب "الانستغرام"، وهو نوعًا ما نشط على مستوى الوطن العربي.
س: في بضع كلمات ماذا تعني لك هذه المفردات: الزوجة والإعلام والغربة والألم والكتاب والنجاح والتراب والقطيف والماء واليراع؟
ج: الزوجة هي الأم والأخت والرفيقة وفي حالتي، حيث لا خادمة عندنا، فهي سندي لكثرة الزوار طوال العام، والإعلام منه الصالح ومنه الطالح، والغربة ليس بالضرورة أن تكون بعيدًا عن الوطن ولكن أقسى غربة وأمرها أن تكون غريبًا بين أبناء مجتمعك، والألم هو المحفز وترياق المثقف، والكتاب هو السلم لرقي الحضارة، والنجاح هو إكليل الجهد بعد المعاناة، والتراب هو خميرتنا الأولى المخلوطة بعرق أجدادنا، أما القطيف فما أجمل حروفها عندما تداعب أذني إنني أتذوقها كنوتة موسيقية، والماء، يكفيه فخرًا أن له قداسة اعتبارية عند كافة الشعوب، واليراع هو أجمل أبجدية اكتشفها الإنسان.
س: كلمة أخيرة لك.. ما هي؟ ولمن توجهها؟
ج: الإنسان مزود بعدد من الغرائز، منها غريزة المعرفة، وبداية أنصح نفسي وأنصح هذا الجيل بأن يشبعوا غريزة المعرفة بالتزود والتسلح بالعلم، وأن يكون الكتاب قرينهم سواء كان الكتاب ورقيًا أم إلكترونيًا.


















