ابتداءً، نحن لا نشير هنا ومن خلال العنوان إلى الحديث في علم النفس، أو الاجتماع، أو في الفلسفة، فذلك ليس شأننا ولا مجالنا، وإنما هو حديث نصوبهُ فقط تجاه ملكة من ملكات بعض بني الإنسان، والتي تستثمر إيجابيًا أحيانًا وربما يبتلى بها آخرون في أحايين كثيرة، فتكون وبالًا عليهم، فلا هي نافعة لهم، ولا لغيرهم.
إن الإدراك بمعناه الابتدائي هو: القوة الذاتية الاستشعارية والاستشرافية للأحداث والتنبوء بوقوعها من خلال معطيات يستجمعها المدرك ويحللها؛ فتتكشف لديه الوقائع من خلال ما يملكه من مقومات، وقدرات ذاتية، وبصيرة لافتة، بما هو محتمل الحصول، ونتائجه وتبعاته.
ولا يختلف اثنان على تفاوت القدرات والصفات الشخصية بين بني البشر فيما حباه الله وفضله وقدره وأعطاه وسخره، كما أن هناك مواهب مكتسبة تكون لدى البعض نتيجة لميول شخصية، أو بيئة خصبة حاضنة يعيش فيها، فيميل تلقائيًا لها حيث مالت، وتنمو معه حتى تصبح هواية، فموهبة، وربما تخصصًا ذاتيًا ووظيفيًا لاحقًا.
وإن كلتا الحالتين على كل حال تحتاجان لتنميتهما ورعايتهما وتطويرهما، وإن كانت سعة الإدراك هي في ذاتها لدنِّية الأصل، ولكن ذلك لا يعني أنها لا تحتاج للتطور والتطوير، إن كانت في الجنبة الإيجابية، ونقصد بذلك الجانب النفعي الفردي والمجتمعي، وليس ما يجلب المضرة الفردية والجمعية، فكم من فرد استغل قدراته الذاتية وذكاءه وملكاته في المضرة والإضرار، ومثالًا على ذلك فإن اللصوص والمجرمين مثلًا هم أكثر الناس ذكاءً ومكرًا، وإلّا ما تمكنوا من الاستمرار في إجرامهم، والتحايل على البشر والقوانين، إلى أن يقعوا في أيدي من هم أذكى منهم وأقدر، وهذا أمر بديهي فرضته السنن الكونية والإرادة السماوية.
الأمر المحزن أن سعة الإدراك، وقوة الاستشعار ربما تقابل بالنكران والتهميش، وربما السخرية والاستهزاء من المحيط القريب والبعيد أيضًا، سواء كانت في بدايتها حين لا تلتفت لها الأسرة في ابن من أبنائها، أو حين ينكر المجتمع ذلك على أحد أبنائه الذين يملكون قوة إدراكية، فلا يستفيدون منه لاستدراك أخطائهم والتراجع عنها، بناء على الدلائل والمعطيات الراجحة التي يثبتها في كل مرة ذلك المدرك للمستدرك، فلا يلقى الأذان الصاغية، لتفوت الفرصة، ويقع المحظور السلبي.
لهذا، فإن الاستدراك هو بمثابة التلميذ لدى الإدراك، وبتعبير أدق؛ فإن المدرك هو أستاذ للمستدرك، والذي يجب عليه التسليم بقدرات أستاذه والأخذ بآرائه وتوجيهاته، وقاية من المحظور ورعاية للاستبشار المنظور الذي يراه المدرك واقعًا حقيقيًا، وهذا بالفعل ما يكون في غالب الأحايين.



