منذ شهر تقريبًا رقد ابن أخي الصغير ذو السادسة من العمر في المستشفى لنزلة معوية ألمت به أخافته من تناول أي شيء لا يقر قراره بمعدته، ذهبنا لعيادته حينها وحيث لم نطل العيادة التي لم تتعد العشر دقائق لكنها كانت كافية لملء ليلتنا تلك وجع كبير وألم غزير لا زلت استشعره حتى وأنا أكتب هذه السطور على منظر دموعه وهو يترجى والده الذي جاء ينوب مكان أمه، ليعود معه إلى المنزل، بل كان يترجى قبله حتى عامل النظافة ليخلع من يده سوار المستشفى.
لا أظن أن هناك من يحتمل سقوط دمعة رضا ابن أخي وغبنة قلبه الرقيق، دون أن يُجيبه بما يريد من طلب لكي لا يبكي، فبسمته وضحكته بالمنزل تملأ المكان.
حقيقة ذكرني موقفه بإحدى المريضات التي كانت تجاور سريري حين رقدتُ بالمستشفى العام الفائت، أنا لم أرها واقعًا لكن من صدى صوتها يُعرف أنها امرأة كبيرة في السن جاء بها ولدها لغرفة الطوارئ لإجراء الفحوصات حيث تعاني من عدة أمراض مزمنة وكان لديها مشكلة تحتاج الاطمئنان عليها، ويتطلب الفحص المكوث بالمستشفى لانتظار النتيجة.
المرأة وإن كان يُعرف التعب بصوتها إلا أنها رفضت قطعًا المكوث بالمستشفى مع كل محاولات أبنها لعمل الفحوصات وأظن أنه حار أمام جملتها التي لا ألوم حيرته فيها لأنها قتلتني أيضًا حين قالت له: "أريد أن أموت ببيتي ..".
السرير الأبيض بالمستشفى مهما كان بأرقى وأفضل المستشفيات فالصغير والكبير لا يحبه ويفضل التوجع ببيته ووسط أهله على النوم عليه بعيدًا عنهم.
اليوم بات اسم المستشفى لأبن أخي حافزًا لتناول أي شيء لكي لا يعود إليه ولا يعود ليتقيد بإبرة مغدي في يده أو سوار أزرق يُعلم الجميع أنه موسوم بوسام المرض.
الغريب ليس فيه ولا في تفكيره كطفل فشيء طبيعي أنه حين يتوجع أحدنا من أمر لا يريد العودة له ليعاني نفس الوجع ثانية، لكن الغرابة تأتي من الكبار حين يمارسون ما يضيّق على صحة أجسادهم ويعودون للمستشفى لنفس السبب إما لزيادة أو نقص بعض متطلبات الجسد.
ولا يدعي أحدهم أن هذا ليس موجودًا بيننا، فلدينا حالات مع سبق الإصرار والترصد على ذاك الجسد الذي نهشته الأمراض ومع هذا لم يتنازلوا له بشيء يريحه.
والقانون المستسلم له؛ كل ممنوع مرغوب..
فقط سأتطرق للممنوع الأول وهو التدخين ولكم القياس عليه بالممنوعات الأخرى.
إحدى الأمهات اللاتي أعرفهن كانت منذ أيام بسيطة قد رقدت بالعناية المركزة - عافاها الله وعافى كل مريض - لمشكلة ألمت بها ربما في الضغط أو القلب لديها، وهي من شاربي"القدو" المعروف بالمنطقة، جاءت إلى منزلنا بعد خروجها من المستشفى لحضور مجلس القراءة وحين الحديث عن القدو ومحاولة تركه لأفضلية ذلك لصحتها، كانت من أكثر المصرين عليه لتعودها عليه من الصغر مهما أدى ذلك لدخولها المستشفى ثانيًا أو ثالثًا فهي تجزم بعدم تركه!
عتابي ليس عليها ولا على جيلها الذي تعوّد التدخين منذ كان في السابعة أو التاسعة من العمر لجهل بأضراره وبات من الصعوبة إقناعهم بهجره، لكن عتابي على كل مدخن يستطيع القراءة والبحث عن أضرار السيجارة أو المعسل أو الشيشة أو أي نوع ينتمي لفئة التدخين بكل تطوراته ومع هذا يسعى لتجريبه والولوج لمضمار التعود عليه حتى الإدمان.
عتابي لكل شاب وشابة متعلمين ومثقفين وللتو ينع عودهم وللأسف هم مراهقون لكنهم يدخنون بأحد أنواع التدخين وكأنهم ينتمون لمجتمع متخلف وغير واعٍ لا يعرف حتى قراءة التحذيرات المرفقة مع كل علبة تدخين ليبعده عنه!
عتابي لهم؛ كيف أنستكم السنون ألم الرقود في المستشفى وأنتم صغار؟ فهل تنوون تجريبه بالمستقبل وأنتم كبار؟
فقط إن لم تكونوا تفكروا في أمانة الجسد الذي ستُسألون عليه، فكروا بأحتراق قلوب ذويكم عليكم لو أصابكم أي مكروه - لا سمح الله - بسبب فكرة طائشة بتجريب أولي لنوع من أنواع التدخين أدى لاحقًا للتعود عليه وإدمانه والمرض بسببه.
همستي لكم خذوا التحذيرات من أفواه الأطفال وسجلوها لديكم فهي مقنعة ومجدية أكثر من كلام الكبار، فهي تستحق التخليد بتأثيرها الفعال.
بالمناسبة لدي تسجيل أحتفظ به منذ سنوات لابنة أخي مذ كانت أقل من خمس سنوات وهي تقول لي: "عمتي اشربي ماي قبل لا تمرضي"، وأتحدى أن أجد نبرة حازمة وقوية وصارمة عليّ لشرب الماء مثل صوتها البريء الذي بُح بصراخها الخائف عليّ من المرض، والذي يجعلني أخجل في كل مرة أسمعها فيها لأحاول الأمتثال وشرب الماء أكثر لكي لا أدخل المستشفى فعلا.



