12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من وحي دعاء اليوم الثامن والعشرين من شهر رمضان

الإلحاح في الدعاء: "يا من لا يشغله إلحاح الملحين"

الدعاء و إن كان توجهًا للخالق وطلبًا لقضاء الحوائج منه فهو الصمد (عز وجل)، ولكن هذا التعلق لابد أن يجري في سياق الأخذ بالأسباب والمقدمات، وذلك لإنجاح المأمول والظفر به بعد توفيق الله تعالى.

الدعاء في حقيقته حاجة نفسية ومطلب وجداني يسكب الطمأنينة والاستقرار على المؤمن، فاستحضار وجود الله تعالى ورقابته لعبده في كل حين، فيرى منه سبحانه ما يعمل في السر والعلن، فتعزف نفسه عن فعل المعصية استنادًا لهذه المعرفة الإيمانية، وأدنى درجات الخوف من الله هو خشية العبد على نفسه من الوقوع في دائرة السخط الإلهي واستحقاق عقابه، وأي تقصير أو زلة تبدر من هذا العبد فإنه يبكي على نفسه حزنًا على وقوعه في الخطيئة، وهذه الدموع تشعل في نفسه جذوة الهمة العالية والإرادة القوية على التغيير نحو الاستقامة والورع، فهذا الإلحاح في الدعاء أثمر يقظة في روحه.

فيلجأ إليه في كل حاجاته طلبًا للتوفيق بإنجاحها وتحققها بعد أن يأخذ بالأسباب والمقدمات، ولا يقتصر الأمر في دعائه على أوقات الشدة والمصاعب فقط، وإن كانت الحاجة ملحة حينئذ فكل الأمور بيد الباري، فالمؤمن يتوجه إلى خالقه شاكيًا له حاله وتقصيره وإسرافه على نفسه، يطلب من الصمد أن يقضي حوائجه وتفريج حاله، يبث ما في قلبه إلى الله القادر على تغيير حاله من أسوأ حال إلى أحسن حال، فالدعاء عبارة عن اتصال حال العبد من ضعف واحتياج وفقر بالكمال المطلق وهو الله (عز وجل)، ولا يمكن لهذا العبد أن يحيى إلا من خلال إفاضة العطاء عليه، والذي يكون بواسطة ذاك الكمال المطلق وهو سبحانه وتعالى الذي يفيض على عبده الخير والغنى، فلا يداخل العبد يومًا اليأس أو التردد مهما واجه من صعوبات فله أمل بالله تعالى لا ينقطع، وإن تأخرت الاستجابة الإلهية عن حاجته علم يقينًا أن الحكمة في ذلك، وهذا لا يمنعه من الاستمرار في طلبها والإلحاح بتحققها، فنعمة المناجاة والخطاب المباشر مع أرحم الراحمين لا يعادلها شيء، فتلك العلاقة إن قويت أكسبته الخوف من الله والامتناع عن ارتكاب المعاصي ، فصفاء القلب وخلوه من الانشغال بحطام الدنيا الزائل والتوجه إلى معالي الأمور والاهتمام باليوم الأخروي والوقوف بين يدي الله تعالى، هي من معطيات إلحاحه في الدعاء.

فكم من مؤمن لم ير استجابة سريعة لدعائه، فما كان ذلك مانعًا له من الإلحاح في طلب حاجته دون فتور أو ملل، فكان له مع الفرج موعد طال انتظاره.

الدعاء عبادة عظيمة يتجلى فيها كريم الصلة بين العبد وخالقه، يرى فيه منكسرًا بين يدي مولاه يستغيث به ويستجير، فدعوة المؤمن الصادقة هي الطاقة الحية المعطاءة التي تبعث الحياة المطمئنة في نفوسهم وتدفعهم نحو البذل والعطاء، والإلحاح في الدعاء مدد رباني يحفظ فيه قيمته الفكرية والإيمانية، ولذا يبقى مستمرًا في الصمدية بطلب حوائجه من الله تعالى وإن تأخرت.


error: المحتوي محمي