الطهارة بماء التوبة: "اللهم اغسلني فيه من الذنوب"
للذنوب خطر في وقوع الإنسان في غيبوبة فكرية، فإن الشهوات والأهواء تحجب العقل عن التفكير في عواقب الأمور، فيسير لاهثًا خلف المعاصي دون أن يكون عنده كابح يوقفه عن الانزلاق في وحل الآثام، فكما أن المجنون لا يعول على تصرفاته ولا يحاسب عليها، فكذلك مدمن المعاصي والعاكف عليها يغيب عقله ويفقد بوصلة تشخيص الأمور، فمهما كانت الموعظة التي يسمعها بليغة ومؤثرة فإنها لا تجدي نفعًا معه؛ لأنه لا يسمع حينها إلا صوت وسوسة الشيطان الرجيم وإغراءاته الماكرة.
قلب المؤمن يتوقد من حرارة الألم والحسرة على النفس مما اجترحت من سيئات، وتخنقه عبرة الأسى من التقصير الذي غمره لفترات ماضية، لعل هذه الدموع تبلل أرض الرجوع إلى الله تعالى، فتروي شجرة التوبة النصوح وتنبت جذور التغيير الإيجابي نحو الاستقامة والورع، وتأخذ بنفسه نحو التواضع أمام الحق عز وجل فيعود لها صفاؤها.
دموع الندم ليست ندبًا للحظوظ واجترار الآلام واستحضار الماضي؛ لتشكل أغلالًا تقيده في إطار الذنوب التي ارتكبها، بل هي مقدمات أخذ بها نفسه في طريق الحفاظ عليها، متجنبًا العقاب الإلهي لمن أسرفوا على أنفسهم في طريق الخطايا ولما تحدثهم أنفسهم المغرورة بالكف عن ارتكاب الذنوب.
وخير شاهد صادق على ذلك الصفاء الروحي والومض الإيماني الذي ينعم به، هو حالة التفاعل الإيجابي مع آيات القرآن الكريم عندما يقرأها أو يسمعها بإنصات وتمعن، فترتقي روحه في فضاء التأمل والتدبر واستخلاص الحكم، وأي نفس لا تبكي على نفسها مع قراءة الآيات الكريمة التي تتحدث عن نار جهنم وألوان العذاب فيها، وما يواجهه الإنسان من أهوال القيامة مما يشيب معه رأس الطفل الرضيع، فيتزود من جرعات الحذر والتنبه من الانزلاق في مهاوي الشيطان وأهواء النفس، وتتوق نفسه للنعيم الإلهي راجية عفو الله تعالى عندما يتلو الآيات المنبئة عما يلاقيه عباد الله المتقون من جزاء و ثواب يتفضل به الرحمن عليهم.
الخوف من الله تعالى يرتقي في أعلى درجاته بتكامل الفكر صوابًا والنفس استقامة وورعًا بمعرفة عظمته تعالى، فالمرء في محضر أبيه لا يقدم على تصرفات معيبة أو قبيحة مراعاة واحترامًا لوجوده، فكيف بمن يستحضر وجود الرؤوف الرحيم المتفضل علينا بنعم لا تحصى، بالتأكيد إن استحضار وجود الله تعالى ورقابته لعبده في كل حين، فيرى منه سبحانه ما يعمل في السر والعلن، فتعزف نفسه عن فعل المعصية استنادًا لهذه المعرفة الإيمانية، وأدنى درجات الخوف من الله هي خشية العبد على نفسه من الوقوع في دائرة السخط الإلهي واستحقاق عقابه، وأي تقصير أو زلة تبدر من هذا العبد فإنه يبكي على نفسه حزنًا على وقوعه في الخطيئة، وهذه الدموع تشعل في نفسه جذوة الهمة العالية والإرادة القوية على التغيير نحو الاستقامة والورع عن محارم الله.
الرجوع إلى الله ليس مجرد كلمات يترنم بها العبد من أذكار وأدعية خاصة بالتوبة والاستغفار، بل هي حالة تحول وتغير حقيقي في الأفكار والقناعات، هي نتيجة توصله إلى فكرة مفادها أن الواقع الذي أقام عليه ردحًا من الزمن بارتكاب المعاصي والتجري على الله تعالى هو وضع خاطئ ولا يمكن الاستمرار فيه، وينبغي الانتقال من هذه البيئة الفاسدة والواقع المر إلى عالم الطهارة والنقاء، فنفسه لا تتحمل أن تتذكر تلك اللحظات التي عاشتها في عالم الرذيلة، فتصيبها من الحسرات والآهات على تلك الأوقات التي فرط فيها هذا العبد وأسرف على نفسه وجنى عليها، هذا الندم الحقيقي بداية التغيير في حاله.



