ناقش فضيلة الشيخ محمد موسى الصفار في كتابه "دين لا يخالط الحياة" علاقة الإنسان بالدين، وكيف جعل الدين نبض حياة، وجعل تعاليمه توجيه لمنهج حياة، وحالة من التجديد الذي يستمد منه القيم والأخلاق الإنسانية، وإحداث حالة من التأمل في الحكمة من العبادة، واستشعار أثرها الجوهري على النفس والعلاقات مع الآخرين، سواء كانت أسرية أو اجتماعية.
وتناول "الصفار" بين دفتي كتابه 42 مقالًا دينيًا، توزعت في 200 صفحة من القطع الوسط، جمعها من كتاباته في جريدتي "اليوم" السعودية و"الوسط" البحرينية، بين عامي 2004 - 2012م) صاغها بتصيد مرور المناسبات الدينية، ليكتب عنها بصورة نقدية، ومحاولة الوقوف على مواطن القوة والضعف، لكيفية تعاطي الناس مع هذه المناسبات، وكأنها حالة بين الازدواجية والنقيضين.
وعكست المقالات الأسلوب الكتابي للصفار في طرح الأفكار التي تحدث عنها، مقسمًا الكتاب إلى أربعة أجزاء هي: العبادات روح الحياة، والصوم صحة الروح وراحة الجسد، والعيد سعادة مع السعداء، ويأتوك رجالًا.
وأوضح "الصفار" خلالها الفرق الكبير والشاسع بين أن نُحيي مناسباتنا الدينية وبين أن تُحيينا مناسباتنا الدينية، مقارنًا بينها على حد تعبيره: "أنها في الأولى ستكون فولكلورًا ظاهريًا، وفي الثانية ستكون روحًا تسري وتهيمن على حياتنا، في الأولى الأمر سهل يسير غير مكلف، وفي الثانية يتطلب الأمر مجاهدة النفس وحملها على صفات الخير".
وأضاف: "في الأولى ستقف الصلاة بانتهائها، وسينتهي مفعول الصوم بالعيد، وفي الثانية للصلاة دور آخر، لأنها ستنهانا عن الفحشاء والمنكر، كما أن للصوم وظيفة أخرى وهي وصولنا إلى خوف الله وتقواه، في الأولى هي عمل جوارحي غالبا، وفي الثانية هي إنماء باطني أخلاقي تربوي".
وبيَّن "الصفار" في حديثه لـ «القطيف اليوم»، أن الرسالة التي يريد إيصالها من كتابة المقالات هي أن لا يبقى تأثير العبادة محصورًا بين الإنسان وربه، بل لا بد من انعكاسه على البشر والناس الذين نعيش معهم، فالعبادات لها روح ومعنى، وهذه الروح متحركة وسيّالة فيفترض أن تترك آثارها على كل ما تصادفه وتمر عليه.
وحول سؤال: لماذا لم يكن العنوان "حياة لا تخالط الدين"؟ أجاب: "حياة الإنسان قبل عبادته، فالحياة توهب للإنسان قبل ولادته، لكنه لا يكلف بالعبادات إلا بعد بلوغه، وبين ولوج الروح وتوجه التكاليف الدينية للإنسان عمر مديد، تكون الحياة فيه قد أخذت مداها والعقل قد استكمل تكوينه ونضجه، والتكاليف الدينية تأتي لتعين العقل وتهذب النفس وتطهر الروح وتوجه السلوك، وعلى كل حال لا مُشاحة في الألفاظ ما دام المعنى واضحًا".
وأعطى في طرحه الأفكار الواردة في المقالات نظرة نقدية حول الممارسات العبادية في المجتمع؛ هل يجدها بصورتها المطلوبة، موضحًا أنه لا يستطيع أحد أن يبعد تأثير العبادات في بلادنا عن سلوك الناس وتصرفاتهم، وكل ما عندنا من خير وحسنات هو نتاج لوعي الناس ورجاحة عقولهم وتأثير التوجيهات الدينية والعبادات فيهم، لكن كلما اجتمع العقل والوعي والدين واندمجوا في خلطة متماسكة كلما كانت المخرجات أفضل وأكمل.
وكشف عن منشأ الازدواجية في المجتمع والناتجة من شعور الإنسان بأنه أدى ما عليه، وأنه خرج من عهدة التكليف الشرعي، أو أنجز المطلوب منه بأداء الصلاة مثلا، دون أن يتفكر في معنى "وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ"، فهو ينفذ القسم الأول (وَأَقِمِ الصَّلاةَ)، ويغفل عن روح الصلاة في ممارساته (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ).
وأجاب عن سؤال: "هل تعتبر المقالات خطوة للقارئ للأخذ بالبعد القيمي للعبادة؟"، قائلًا: "المقالات كما يلاحظ خفيفة ولغتها يسيرة وهدفها التذكير دائمًا بأن لكل عبادة روحًا ومعنى وهدفًا، وعين المتدين تنظر للمعنى والهدف كما تنظر لذات الفعل، أعني إقامة الصلاة وأداء الحج".
وأرشد إلى كيفية إيجاد صورة لدين يخالطه حياة، أن يكون الدين رفيقًا للإنسان في كل مكان وزمان وحركة، منبهًا بعدم ترك الصوم منسيًا بعد شهر رمضان، وحبس الصلاة في المسجد دون أن ترافق بروحها ومعانيها في تجارتنا وأعمالنا وأهلنا فستكون حياتنا في وادٍ وعبادتنا في وادٍ آخر.
جدير بالذكر أن كتاب "دين لا يخالط الحياة" أحد إصدارات دار "أطياف للنشر والتوزيع" بالقطيف، ومنشورات "ضفاف"، كما صدر للمؤلف "الحياة مع زوجة قوية" و"ويبقى الأمل".



