12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

لَا تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ

هذه الحكمة هي لأمير الكلام (عليه السلام)، من نهج البلاغة رقم 411، وتمامها:

لَا تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ وَبَلَاغَةَ قَوْلِكَ عَلَى مَنْ سَدَّدَكَ

وهنا وقفة لشرح نحوي صرفي لغوي لهذه الحكمة البليغة:
🔘 المفردات والإعراب:
لَا تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ:
لا: هي الناهية الجازمة التي تدخل على الفعل المضارع.

تجعلن: فعل مضارع من (جعل)، مبنيّ على الفتح في محلّ جزم.
والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
والنون نون التوكيد الثقيلة لا محلّ لها من الإعراب.

"لا تَجعَلَنَّ" أسلوب نهي، وقد أُكِّد بالنون لتقوية المعنى، وزيادة في معنى النهي.
غرضه الإرشاد.
ذَرَبَ: مفعول به.
ذَرِبَ يَذْرَبُ ذَرَبًا وذَرابةً فهو ذَرِبٌ.
وله معنيان:
1-الذَرِبُ: الحادُّ من كل شيء.
قال الراجز:
دَبَّتْ عليها ذَرِباتُ الأَنْبارْ
أي حديداتُ اللسْعِ.
ولِسانٌ ذَرِبٌ وفيه ذَرابَةٌ، أي حِدَّةٌ.
2- ويأتي (ذَرِب) أيضًا بمعنى الفُحْش:
قال الشاعر:
أرِحْني واستَرِحْ مِنِّي فإنِّي ثَقِيلٌ مَحْمَلِي ذَرِبٌ لِسانِي

على مَن: اسم موصول للعاقل، مبني على السكون في محل جر بالحرف (على).
أنطقك: جملة الصلة (لا محل لها من الإعراب).

وَبَلَاغَةَ قَوْلِكَ عَلَى مَنْ سَدَّدَكَ:

بَلَاغَةَ: معطوف على (ذَرَبَ) منصوب.
قولِكَ: (قول) مضاف إلى (بَلَاغَةَ)، مجرور.
والضمير (الكاف) مضاف إلى (قولِ) في محل جر.

مَن: اسم موصول مبني للعاقل في محل جر.

سَدَّدَكَ: جملة الصلة لا محل لها من الإعراب.

يحتمل في توجيه هذا النص معنيان:

الأول: ذكر ابن الحديد في شرح نهج البلاغة (20/48) أن الله تعالى هو الذي أنطقك وسدد لفظك وعلمك البيان كما قال سبحانه:
(خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ)
قبيح أن يجعل الإنسان ذرب لسانه وفصاحة منطقه على من أنطقه وأقدره على العبادة، وقبيح أن يجعل الإنسان بلاغة قوله على من سدد قوله وجعله بليغًا حسن التعبير على المعاني التي في نفسه.

وهذا كمن ينعم على إنسان بسيف فإنه يقبح منه أن يقتله بذلك السيف ظلمًا قبحًا زائدًا على ما لو قتله بغير ذلك السيف.
قال المتنبي في سيف الدولة:
وَلَـمَّا كَسا كَعبًا ثِيابًا طَغَوا بِها رَمى كُلَّ ثَوبٍ مِن سِنانٍ بِخارِقِ
وَلَـمَّا سَقى الغَيثَ الَّذي كَفَروا بِهِ سَقى غَيرَهُ في غَيرِ تِلكَ البَوارِقِ

الثاني: المعنى يشمل أعم من ذلك.
أي: لا تطل لسانك على من علمك النطق ولا تظهر بلاغتك على من ثقفك وقَوَّمَ عقلك.
وقريب من هذا المعنى قول الشاعر (معن بن أوس):
أُعَلِّـمُهُ الرِّمَـايةَ كُلَّ يَـومٍ فَلمَّـا استَدَّ سَاعِدُه رَمانِي
وَكَمْ عَلَّمْتُـهُ نَظْمَ القَوَافي فَلَـمَّـا قَالَ قَافِيةً هَجـانِي


error: المحتوي محمي