12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من وحي دعاء اليوم الثالث عشر من شهر رمضان

قوة التحمّل سناد مواجهة التحديات: "وَصَبِّرْني فيهِ عَلى كائِناتِ الأَقْدارِ"

للحياة في أحداثها وخباياها ما يثقل وقعه على قلب الإنسان من ظروف صعبة ومشاكل ومواقف متأزمة، تضيف عليه عبئًا وتضعف النفس عند البعض بعد أن يتملكه اليأس وروح القهر وانكسار الإرادة، فكائنات الأقدار تشكل حاجزًا نفسيًا من الانطلاق في ميادين العمل بروح الأمل والطموح متحملًا ما يواجهه من إخفاق أو صعوبة حتى يتجاوزها، فأي مشكلة يمر بها الإنسان تصاحبها علائم التعب والانزعاج حينما يسقط في مأزق توتراتها، ومهما كانت رجاحة عقله وما يتمتع به من هدوء وحكمة فإنه من المتيقن منه أن تلك الظروف تؤرّقه وتسبب له ضغوطًا نفسية، ويحتاج إلى عوامل تساعده على استرجاع اتزانه الفكري والعاطفي، فأكثر الأزمات النفسية حقيقتها مرور بأزمة شديدة لم يستطع المرء التخلص من آثارها ومفاعيلها، مما أفقده الهدوء الفكري والعاطفي وإخضاع تصرفاته وقراراتها لنفس وازنة، فيعيش حياة بائسة اختلطت فيها مشاعر اليأس والإحباط وفقدان الثقة بالنفس والأمل بحدوث أي تغييرات جذرية في مشكلته التي يراها مستعصية ولا تخضع لأي حلول تعالجها.

تلك المشاكل بلا شك ترهق النفس وتحيل المرء إلى بقايا إنسان فقد روح الحياة والشعور بجمال ما حوله، فلا يمتلك التركيز الذهني الذي يسعفه في وضع إطار لأهدافه وآماله، ولا العاطفة الواعية التي تكسبه الأمان الأسري والاجتماعي من خلال شعوره بالحب ممن يحيطون به، بل كانت تلك الصدمة عنيفة وأصابته بضمور وشلل في فكره بل كل كيانه قد فقد الثقة بنفسه وبمن حوله، وأحاطته هواجس المستقبل المجهول الذي لا يعرف ما يصنع فيه، ويعيش حالة من المشاعر السلبية باستبقاء الماضي المرير واجترار آلامه المبرحة، وما واجه فيه من عواصف الروح وهجمات الزمن القاسي فلا تفارقه تلك الصور الكئيبة التي تعيد له مصيبته ومشكلته وكأنها وقعت للتو، لا يعرف أين المخرج والمخلص من هذه الحيرة وحبل النجاة الذي ينقذه.

كما أن الصعاب وإساءة الغير لنا والمصائب لا تقابل بالتسرع في الأحكام والمواقف، بل ينبغي أن يكون هدوء النفس وتحمل المشاق هو خط الدفاع الأول في الحياة، وإلا فإن الجزع والإحباط سيشل قوانا الفكرية ويستنزف طاقتنا النفسية، ويبقينا في حالة انفعالية مشدودة نفقد معها التحكم في زمام الأمور.

الناس في حالة الرخاء لا تفارقهم الابتسامة والكلمة الجميلة والطيبة في التعامل والفكر النيّر الذي يهب التصورات والحلول المناسبة للأزمات، ولكن التباين يقع عند حلول المحن ومواجهة الظروف القاهرة حيث تخور قوى وعزائم البعض ويرفع راية الاستسلام، بينما يبقى آخرون في خط مواجهة التحديات والصعاب ومغالبة الظروف وتحمل الألم وحمل بصيص الأمل بالتغيير نحو الأفضل دائمًا، إنه الصبر الذي ينجح المطالب.

وأمام تسارع وتيرة الحياة وتزاحم المشاغل وهجوم الأمراض الجسدية والأخلاقية والحوادث المؤلمة الناتج عنها فقد أعزاء وإصابات خطيرة، نحتاج إلى الصبر كبلسم يداوي الجراح، ويسكب الطمأنينة والرضا على القلوب، فإن أصحاب القلوب الضعيفة والمتعلقين بحطام الدنيا لا يجدون في حالة الضيق والضجر - التي تعلوهم عندما تحيط بهم الأزمات - ما يسلّي قلوبهم، فلا يطيقون تحمل التضرر النفسي، وهذا لا يعني أن طعم الصبر مستساغ يهنأ به صاحبه، ولكن طعمه المر سيتحول إلى نهايات سعيدة يرسمها ويضع خطوطها العريضة.


error: المحتوي محمي