12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

السر المفقود

رحلتي كانت عن سر الكنز المفقود الذي شغل العالم وحير العقول، والجميع يسعى للحصول على معرفة هذا السر، باختلاف المذاهب والأعراق والمبادئ والغايات والمقاصد، فما هو سر السعادة المفقود؟؟

وبداية الانطلاق كانت صياغة السؤال عن سر السعادة ؟؟ وجاء الجواب على لسان البعض : إن السر في الثراء والحصول على المال، والبعض قال: السر في المراكز والمناصب العليا، وهناك من قال: السر في التمتع بالصحة الدائمة والعيش في وسط أسرة سعيدة مع عالم الأطفال ، والبعض أجاب بشفافية قائلًا: السر في إشباع الرغبات والشهوات.

فهل يعني أن السر مرتبط بكل شيء يتعلق بالموجودات البشرية كما جاء في كتاب أستاذ الفلسفة «نيكولاس وايت»!
وبحثت بين صفحات "جوجل"، فوجدت سيرة الأسطورة الأمريكي "إلفيس بريسلي" الذي ملك كل أسباب السعادة التي ذكرت من: أموال لا حصر لها، وصحة وعافية، وتزوج أجمل النساء وأوتي من كل النعم، ومع ذلك عرف عنه حزنه الشديد طوال رحلة حياته وتوفي في مزرعته الفاخرة بجرعة زائدة من المخدرات.

واستقرأت آراء المدراس الفلسفية، فلقد تناول الفلاسفة اليونانيون والفلاسفة المعاصرون مبحث السعادة، وقلما نجد فيلسوفًا لم يتناول هذا المبحث في كتبه أو يعالجه ضمن نسقه أو يدرسه في مبحثه للأكسيولوجيا "القيم"، وحصر الفلاسفة سر السعادة في العقل وممارسة الحكمة والفلسفة واستخدام المنطق، حيث يرى أبرز الفلاسفة "أرسطو" أنَّ السعادة ترتبط بتحقيق الخير، حيثُ تتحدد باللذة، وهي الفضيلة التي تقود الفرد إلى السَّعادة بقوىً إراديّة.

وطرقت أبواب المدينة الفاضلة علني أجد ضالتي المنشودة، فقرأت في كتاب "الفارابي" آراء أهل "المدينة الفاضلة"، إذا تحققت المدينة الفاضلة تحققت السعادة، والمدينة الفاضلة هي التي تنبني على الإعمار والعمل الجاد والاجتماع الفاضل والاحتكام إلى العقل والمنطق وحب الفلسفة والحكمة، ويقودها ملك أو فيلسوف ، وتظهر كالجسد الواحد في تعاونها وتضامنها.

و في عالم المتصوفة نقبت عن السر، وكان الجواب بلسان ابن عربي وابن سينا، حيث يريان أن السعادة الحقيقية المثالية هي سعادة الروح، وتطهير النفس الإنسانية من براثن الجسد والحس، وسلامة الوجدان والروح.

وبين مجلدات الباحثين والدارسين وجدت دراسة نشرتها صحيفة «ذي بريتيش ميديكال جورنال»، إشارات إلى أن السعادة تنتقل بالعدوى ضمن الأصدقاء أو أفراد الأسرة الواحدة.
ونثرت أوراقي فقرأت أن السعادة عند عامة الناس ارتبطت بإشباع رغبات الجسد المادية من إمتاع الغرائز وإشباع الشهوات، بينما عند الفلاسفة ارتبطت السعادة بالعقل والمنطق وممارسة الفلسفة، أما السعادة عند المتصوفة فبنيت على العرفان الروحي.
فكتبت بملاحظتي: بما أن الإنسان ذو نوازع ثلاث، مادية وروحية وعقلية، عليه أن يوازن بين الرغبات الثلاث بوسطية بدون تفريط ولا إفراط.

واتجهت لرسالة السماء التي خاطبت كينونة الإنسان عن طريق الأنبياء والأوصياء، وحققت له السلام والأمان، ففتحت ينابيع الكتب المقدسة، فوجدت أن هناك علاقة وثيقة متأصلة بين السعادة والسلام، بين السعادة والاستقرار الروحي، بين السعادة والسكينة الداخلية، بين السعادة والرضا بالأقدار، بين السعادة والقرب من الله عز وجل، وقد جاءت تحية الإسلام "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" لتقر مبدأ السلام الداخلي للنفس والسلام العام والتسامح بين أفراد المجتمعات بمختلف القوميات.

فختمت رحلتي بهمسة وصال، يا إلهي ومولاي وإن أطبقت علي سماء الشقاء فإن في الطريق إليك سعادة لا تدرك.


error: المحتوي محمي