12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مسافر زاده الخيال 4-4

طيف واسع من كل شيء عبر عنه الكاتب ورصده على مدى 515 صفحة، بلا تبويب معنون ولا فهرس متسلسل، بل أراد أن يوجه القارئ برؤية بانورامية، ويطوف به على معظم معالم البلد ورموزها وآثارها وحواضرها وشواهدها ومجسماتها ماضيًا وحاضرًا، بحشد من الأسماء المتتالية والمتداخلة والمتشابكة مع الأمكنة وتواريخها وأحداثها، مع تقاطع شخصيات بارزة من العلماء والقادة والشعراء والأدباء والفنانين بمختلف مجالاتهم، سرد جمالي ينساب رقرقة ويسمع نغمًا متدفقًا، كرقرقة نهري "سيحون وجيحون" المنسابان منذ آلاف السنين من الارتواء، والشاهدان على البرق والرعد والعواصف والسيول والأمطار، لقرون خصب وعقود جدب، انعطافات تاريخية، وارتقاءات نحو الشمم، وإشعاعات على مستوى الأمم، وانتصارات مظفرة على جميع المستويات.

ثم دار الزمن دورته وأتى بمفاجآته، انقلبت موازين، والصورة على عقب تكاد أن تضمحل، نعيق، أسى وكتم أنفاس، دموع ساكبة على عز قد مضى، بنحيب مرثية أبو البقاء الرندي "لكل شيء إذا ما تم نقصان.. فلا يغر بطيب العيش إنسان.. هي الأيام كما شاهدته دول.. من سره زمن ساءته أزمان".

دب وهن وبهت ضوء وخفت صوت، وغاب قمر، هيمن القادم من الشمال بجيوشه الجرارة وضم الأرض ومن عليها إلى امبراطوريته المترامية الأطراف، استحواذ واستلاب، وضياع هوية، ومماحكات واندماج على أعلى المستويات، يكاد أن يكون كل شيء إلى ذوبان في شخصية الغازي براياته المتقلبة، ظن الجمع أن المرثية دائمة للأبد، ولكن سبحان مغير الأحوال.

وقبل أن يلفظ القرن العشرين أنفاسه، استجاب القدر وعاد ضوء القمر، كسرت القيود وانعتقت الرقاب وعاد طائر اللقلق مرفرفًا فرحًا في ربوع البلاد ينشد الحرية والسلام منذ 91م، وأصبح شعارًا للبلاد، نظرات فرح عارمة بنبض قلوب مؤتلفة، وأكف متحدة باعتزاز للهوية والانتماء القومي والحس الوطني، بالاعتماد على إنسان الأرض المملوء بالإلهام والوئام والعطاء والعمل بروح الأمة المتجذرة في عمق التاريخ، والمشرئبة قامتها نحو عنان السماء.

طافت عيون الكاتب إلى عوالم البهجة، وبحثت عن كل ما يسرها من فرح وألق، واستأنست بدفء الأنفس، وتفرست في ملامح البشر، وغضت الطرف عن الهنات، والتي لا يخلو أي مجتمع في الدنيا منها، ونهت القلم عن النبش في القاع، امتد طوعًا لقطف الورد من كل نوع وصنف بترك الشوائب في ذبول، وذكر المحاسن الجميلة بعبير نسائمها العليلة والخصال الحميدة بروائحها الطيبة، والأخلاق الفاضلة بشذاها الفواح على أرجاء البلاد.

اختار المؤلف الصور النواصع، وقول الفصل عنده "كن جميلًا..."، فقرأنا تدفق كلماته المحملة بصورها الإنسانية العالية، والمنعكسة جمالًا على جمال لحسن ما رآه وهز كيانه من معاني الصدق بافتتان المشهد، وروعة المنظر، أسهب في وصف التفاصيل وأفاض في الجزئيات، ناثرًا أجمل القصائد وأبلغ الأمثال والحكم للمبدعين من هذا البلد المليء بالمواهب الشتى بتعدد دياناته ومذاهبه وقومياته، معتمدًا في صياغة بعض جمله على الديالوج الداخلي من خيال خلاب، منسكبًا من عطر الأمكنة على طول صفحات الكتاب متوازيًا مع نبل أخلاق هذا الشعب.

كتاب حسب وجهة نظري القاصرة، لا يضاهيه كتاب آخر في المكتبة السعودية بهذا الحجم حول أدب الرحلات، خصوصًا لبلاد ما وراء النهر، ثمة ثغرة تسللت للكتاب وهي إغفال العناوين الرئيسية والفرعية، ضمن مسارات الرحلة، والاكتفاء فقط بالفواصل بين المحطات المكانية، ومرد ذلك لتغيرات التنسيق والترتيب الفني لأكثر من مرة، وإطالة مدة التدقيق اللغوي واشتراطات التنضيد المطبعي، أمور أفسحت المجال لتلك الثغرة للتسلل وأيضًا انسحب ذلك على حجم الكتاب، فقد قلصت عدد صفحاته من 800 إلى 515 صفحة، حيث حذف المؤلف الكثير من المسارات التاريخية المثقلة بالأحداث ذات العمق الدلالي، ومعها حشد من المعلومات والمشاهدات الميدانية والصورة الفوتوغرافية التوثيقية، وسقطت سهوًا الكلمة التعريفية على ظهر الغلاف، برغم كل ذلك فهو كتاب غني في محتواه، ثري بتنوعه، جديد في طرحه، تفتقر إليه منطقتنا، وأظن لم يقدم كاتب من كتاب القطيف على الخوض في هذا المجال من قبل.

كتاب أعتبره مرجعًا هامًا للتوق المعرفي، ولمن ينوي شد الرحال لهذه البلاد، بلاد الأضرحة والمزارات، ومقامات الصحابة والأولياء ورجالات المتصوفة، بلاد الملاحم والأساطير، والخيول السماوية الجامحة بركب القوافل المحملة بحرير الملوك والتطريزات الذهبية (أسطورة الجمال الأنثوي)، بلاد الدهشة لفانتازيا الصروح المعمارية التي بنيت من خيال وظلت راسية كالجبال، هبوب رياح ونوح يمام في البراري المقفرات لأطلال قبور أربعين فتاة عذراء، وضيافة بصرية لمدينة الكهوف الصخرية، وسمع حفيف موال الأزمنة بالجلوس في كنف جذوع الشجر المجوفات المعمرات منذ آلاف السنين، الحواس تتوه لرؤية مدينة المسرات، مدينة الملائكة، ويرتشف القلب مسرات من ينابيع المياه الباردة والخضرة الدائمة ووجوه الحسان، بانسيابات تدفق "سيرداريا وأموداريا"، هذان النهران طاقتاهما متجددة منذ آلاف السنين على المنجز الإنساني والحضاري لهذا البلد العريق.

بلاد فتحها المسلمون الأوائل في القرن الهجري الأول وأطلقوا عليها "بلاد ما وراء النهر"، فغدت مزيجًا حضاريًا متعاقبًا، هم تأثروا وأثروا وأضافوا لتاريخنا المشرق من علماء بارزين، لا سيما رواة الحديث العظام ومرورًا بالعلوم الأخرى ووصولًا لمختلف فنونهم المتوارثة، تراثنا معهم مشترك، منسوج بخيوط من نور ومدون بأحرف من ذهب، لكننا اليوم نجهلهم تمامًا والبعض منا لا يعرف موقعهم على الخريطة، والمفارقة أنهم يقدروننا احترامًا وتقديرًا.

وقد عرج كاتبنا على مشاهد الأخوة والحمية الدينية، والانحياز لروابط العقيدة، وكنت شاهدًا على ما يقول، ما إن نتقابل مع أهل القرى أو يضمنا تجمع مع البسطاء ويعرفوا عنا أننا من بلاد الحرمين، سرعان ما تتغير ملامحهم، يهبوا إلينا بمحض إرادتهم والشوق يسبقهم سلامًا إثر سلام، وقبلات محبة ومعزة يندر أن تراها في غير هذا البلد، تحياتهم لنا ملأتها الأخوة الصافية بدموع منسابة على وجنات الكبار والمتقدمات سنًّا!

وعند عتبات الأماكن المقدسة وأضرحة الأولياء الصالحين يأتون أفواجًا أفواجًا يلتمسون قضاء الحاجات ونفح البركات، الكاميرا ترصد وكاتبنا يتأمل ثم يقرأ عن ظهر قلب ما تيسر له من آيات الذكر الحكيم، يتلوها تجويدًا وبقراءة سليمة، يشنف سمعهم والخشوع باسطًا ذراعيه على محيّا الزوار نساء ورجال، شيب وشباب، وحين يفرغ يثنون عليه كأنه أحد الأولياء، اللسان العربي الفصيح يأسرهم، وأبجدية العرب كانت يومًا حروفهم المكتوبة، استبدلت قسرًا مع تمدد خرائط القياصرة واعتلاء البلاشفة واستيلائهم على الأرض والثروات والمقدرات، وحين انحسروا بعد قرن ونصف من الزمان إلا قليلًا، لم يعد كل شيء مثل ما كان، وحدها الجدران ظلت تنطق بتاريخ الوصال، كاتبنا المبدع "محمد حسن الدرازي" عبر كتابه الموسوعي الذي أسماه "عبر طريق الحرير.. أوزبكستان"، أعاد لنا زمن الوصال وأخذنا سفرة أسطورية على أجنحة الخيال.

الأوزبك أعجبوا بالكتاب أيّما إعجاب وهم بصدد ترجمته إلى لغتهم الأوزبكية، فهنيئًا لنا بهذا الكتاب القيم الثري الحاوي والشامل الذي يرضي كل الأذواق ويجد كل صاحب فن شيئًا مما يرضيه ويسعده، كتاب خط من تعب وراء تعب ودون بحب وراء حب من عين المكان، وفخرًا لنا بك أيها الفنان يا عاشق السفر، أيها المتيم بالترحال دومًا، تحية إعزاز وإكبار على هذا السفر الضخم، فصدى كلمات أغنيتك المفضلة وبشدوك الذي لم تغيره السنون يرن في آذاننا عبر صوتك المتأوه سفرًا في سفر، وبقلمك الناقل صورًا من فرح، وذائقتك المهاجرة نحو رياض الفن والمحبة والسلام، سلام على روحك التواقة لنقل كل ما هو جميل في الدنيا وأصيل في نفوس بني البشر.

"عبر طريق الحرير.. أوزبكستان"، كتاب يسافر بنا دهشة ومتعة ومغامرة، ويستكشف كنوزًا مخبأة في بلاد ما وراء النهر، ما إن تقرؤه كاملًا تحس بالانتماء لجماليات الأمكنة ومصاحبة الأرواح الخيرة.

يا سمرقند وبخارى وشهرسبز وخيوه وترمذ وطشقند وكوكند ووادي فرغانة وإقليم خوارزم، عدتم إلينا وصالًا من ألق عبر عيون محمد الدرازي.


error: المحتوي محمي