12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الصوم سلوك أخلاقي إنساني

مما لا شك فيه أن شهر رمضان الكريم شهر فضيل، ولهذا يسمى شهر الله بما يحمله من عبادات كثيرة؛ بدءًا بالامتناع عن الطعام والشراب وغيره من المباحات في غيره من الشهور.. فقول الله - سبحانه وتعالى - في الحديث القدسي الوارد: "الصوم لي وأنا أجزي به" دليل على مكانة الصوم وقدسية مقاصده.

الصوم عنوان عريض تقع ضمنه عناوين عبادية أخرى؛ هنالك فلسفة لكل عبادة ومقاصد أخلاقية إنسانية ترقى بالنفس البشرية وتروّضها لتجعلها قريبة من الكمال الإنساني الأخلاقي والسلوكي.

الصوم عن الطعام يعني ترويض النفس وحثها على الصبر على الجوع لكي تتلمس جوع الفقراء الذين لا يملكون قوت يومهم وتدفعهم لإعانتهم ومساعدتهم لتعزيز روح التكاتف والتراحم بين مختلف فئات المجتمع، وهناك صوم الجوارح كذلك الذي يعمل على رفع المستوى الأخلاقي السلوكي لمنزلة كبيرة في التعامل مع الناس من منطلق أخلاقي وإنساني راقٍ يحقق أحد مقاصد الصوم.. وفي هذا الجانب يتم ترويض النفس على المعاملة الحسنة والأخلاق التي بعث الله تعالى نبي الرحمة عليه وآله السلام ليتممها.

عندما يمتنع الصائم عن بعض الممارسات الزوجية كالجماع مثلًا وهو حلال فذلك يجعل الإنسان أبعد عن ارتكاب الحرام وحتى التفكير فيه؛ ولهذا أمر الإسلام من لا يستطيع الباءة بأن يصوم كي يكبح جماح أهواء نفسه وما تسوّل له وهذا داء لذلك المرض.

كذلك من المقاصد الشرعية ترويض جارحة النظر وحثها على غض البصر عما حرم الله إِذْ عُدَّ ذاك من مبطلات الصوم.. وعندما يغض الإنسان طرفه عما حَرَّمَ الله يساهم ذلك في صون العفة والأخلاق من الإنحرافات المقيتة.

كما أنه من مقاصده أيضًا ترويض اللسان بحثه على البعد عما يلوث طهره من ألفاظ نابية لا تليق بالإنسان وجعله ينشر الكلام الطيب في المجتمع مما يجعله راقيًا في حديثه مع الآخرين.

ومن مقاصده تجنُّب الغيبة والنميمة ولهو الحديث والسعي للرقي بسلوك الصائم لمصاف الإيمان الحقيقي بالعمل.

والامتناع عن الكذب كذلك أحد مقاصد الصوم.

ومن مقاصده كذلك التيسير على الصائم إن كان لا يطيق الصوم لسبب مرض أو نتيجة العناء في السفر وهذا يجعل الإنسان مؤمنًا إيمانًا قلبيًا بأن الدين يسر وليس عسرًا.

من مقاصد الصوم كذلك اكتساب صحة الجسد حيث يخلصه من بعض الأمراض لهذا قيل في الأثر: "صوموا تصحّوا".

نستخلص مما ذكرت أن للصوم مقاصد إن تحققت على الصعيد العملي؛ أي انعكست على المعاملات كما أرادها الله - سبحانه وتعالى - فقد قبله الله وسوف يكافئ الصائم على ذلك، أما إذا لم يؤدّي الصوم لتحقيق تلك المقاصد فما نفع الصائم إلا جوعه وعطشه.. كما دأب عليه المجتمع في شهر رمضان قراءة القرآن الكريم وكذلك الأدعية المأثورة، فقراءة القرآن وتلك الأدعية إن لم تهذب النفس الإنسانية وتنعكس على العمل والسلوك فلا مناط منها، لهذا من المستحسن والواجب أن تكون معاملاتنا للآخرين حاضرة مع كل آية وكل دعاء؛ حيث إن الروحانية العبادية مناطها العمل ويترجمها الإنسان في سلوكياته وإلا ذهبت في مهب الرياح.

من هنا نتيقن أن فريضة الصوم إن حققت مقاصدها فسوف تكون عند الله مقبولة وقد عادت على الإنسان بالفوائد الجمة التي جعلت منه إنسانًا مستقيمًا في جميع سلوكياته ومعاملاته والتي سوف تعود بالخير على المجتمع الإنساني، هكذا هي العبادات إذا ما اقترنت بالأفعال.


error: المحتوي محمي