12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

استعادة الأصوات

هل من الممكن أن نسمع أصوات الماضيين؟ كيف يمكنني سماع صوت المتنبي الذي عاش في القرن الرابع الهجري وهو يلقي قصائده الشعرية؟ أو الحضور لساعة من الزمن للقرن الرابع قبل الميلاد للاستماع إلى درس في الفلسفة يلقيه أرسطو؟!
تحاصرنا الأصوات من كل حدب وصوب في هذا العالم الذي نعيش فيه ( أصوات البشر، العصافير، السيارات،...)، والصوت الذي نسمعه عبارة عن موجة ميكانيكية وهو عبارة عن اهتزازات أي الحركة السريعة لجسيمات المادة عند ارتطامها ببعضها البعض، التي يتم من خلاها نقل الطاقة الصوتية على شكل موجات متحركة، وهذه الأمواج الصوتية تنتقل في الهواء، أي أنها تحتاج إلى وسط مادي خلاف الموجات الكهرومغناطيسية كالضوء مثلًا، بمعنى أن الصوت لا يستطيع الانتقال في الفراغ، وهناك تجربة يقوم بها طلاب المدرسة وهي عدم سماعهم لصوت جرس يقرع داخل ناقوس مفرغ، ونعلل ذلك لعدم وجود ما يمكن ضغطه أو خلخلته في الفراغ، ذلك أن الصوت موجة ميكانيكية طولية تتكون من سلسلة من التضاغطات والتخلخلات، والذبذبات الصوتية الكبيرة تحمل طاقة كبيرة، وتقاس شدة الصوت بوحدة (الديسيبل)، والإنسان يستطيع سماع الأصوات التي ترددها يقع بين 20 إلى 20 ألف هيرتز، وسرعة الصوت في الظروف العادية 340 م/ث، والصوت يتميز بخصائص عديدة كالانعكاس والانكسار فالصوت ينعكس كما تنعكس الكرة عندما تصطدم بالجدار، والموجة الصوتية تعاني انكسارا إذا انتقلت بين وسطين مختلفي الكثافة أي معامل الانكسار بين الوسطين مختلفين.

لقد نجح توماس أديسون في عام 1877م، في تسجيل أول صوت بشري (فونغراف) باعتماده على الاهتزازات الميكانيكية للإبرة في تسجيل الأصوات وسماعها من جديد، فهذه الإبرة تهتز تبعا لاهتزاز الأمواج الصوتية، وهذا النجاح الكبير قاد البشرية إلى تطوير آلات التسجيل، لقد اختفت الآن آلة أديسون وتقلصت بشكل كبير أشرطة التسجيل نتيجة حلول التسجيل الرقمي الذي يقوم بتحويل الأمواج الصوتية إلى أرقام ثنائية التي تقيس علو الموجة ويمكن استخلاصها بعد ذلك، كاستخدام الليزر لقراءة الاسطوانات المدمجة.

ونجاح الإنسان في تسجيل الأصوات الحاضرة، يجعل سماعه الأصوات الماضية ممكنا من الناحية النظرية، إذا افترضنا نظريا أن هذه الأمواج الصوتية قد تم الاحتفاظ بها في مادة ويكون وظيفتنا استخراجها من هذه المادة وسماعها لكن حتى هذه اللحظة لم نصل إلى ذلك ، وإذا افترضنا أن الأمواج الصوتية ما زالت موجودة ولم تضمحل ويعج بها كوكب الأرض، ستكون وظيفتنا تصنيع آلة قادرة على التقاط الأصوات وسماعها، وعلى افتراض أننا نجحنا في ذلك ستكون هناك مشكلة كبيرة في تمييز الأشخاص الذين نسمعهم، وعلى الرغم من هذه الافتراضات فإن المسألة مستحيلة علميًا لأنه لا توجد عندنا مادة تخزن الصوت، والأشجار والصخور والجدران التي تمتص الصوت من المستحيل علميًا أن نقوم باستخراج الصوت منها، فعندما أتكلم في غرفة فإن جدران الغرفة تمتص الموجة الميكانيكية الصوتية وسيكون من الاستحالة على شخص يأتي من بعدي بألف سنة مثلًا أن يستخرج الصوت من الجدار ذلك أن الموجة الميكانيكية تفاعلت مع الجدار وسببت حركة الجزئيات بطريقة معينة وتحولت لشكل آخر من أشكال الطاقة، والترددات الصوتية تضمحل مع الزمن بمعنى أنه من الاستحالة أيضًا الحصول على جهاز يقوم باستخراج الموجات الميكانيكية المضمحلة! لذلك تبقى المسألة مستحيلة علميًا! تخيل أنك تقف للتحدث أمام عشرة أشخاص بين كل واحد مسافة 10، نلاحظ أن الموجة كلما ابتعدت عن المصدر تقل شدتها تدريجيا إلى أن تضمحل ويستحيل سماعها! ومن المعروف فيزيائيًا أن شدة الصوت تتناسب عكسيًا مع مربع المسافة وهذا ما يسمى بقانون التربيع العكسي، إن الاحتكاك بين الموجة الصوتية وجزئيات الهواء وهو الوسط الذي ينتقل فيه يتحول إلى طاقة حرارية وهذا ما يفسر لنا انخفاض شدة الصوت كلما ابتعدنا عن المصدر.

وعلى صعيد آخر هناك فكرة السفر عبر الزمن، فيمكن للإنسان السفر إلى الماضي والالتقاء بأشخاص وسماعهم، بمعنى أنني أستطيع أن أسافر إلى القرن الرابع الهجري للالتقاء بالمتنبي واستماع قصائده، كذلك يمكنني السفر إلى المستقبل للعيش مع أحفادي الذين لم أنجبهم بعد! وهذه الفكرة ممكنة من الناحية النظرية فقط لكنها غير ممكنة من الناحية العملية. والسفر عبر الزمن شكل أرضا خصبة لكتاب الخيال العلمي ومن أشهر الروايات التي كتبت في هذا الحقل رواية (آلة الزمن) للروائي (إتش جي ويلز) المنشورة عام 1895م. ومسألة سماع الأصوات القديمة ما زالت تقع ضمن نطاق الخيال العلمي.


error: المحتوي محمي