بين حزن وفرح ، بين فقد وعرس تمضي أيام حياتنا ، نقوم بأداء الواجب، نلقي ونتلقى تبريكات أو تعازي ، حينما نكون أصحاب الشأن في إحدى المناسبتين المتباينتين تمر علينا وجوه ووجوه من الأقربين والأبعدين بمختلف طبقات المجتمع يأتون من نواحي البلدة ومن خارجها ، ونظرا لكثرتهم واختلاف أعمارهم نجهل أسماء وتختلط ملامح وإن بدأت كل الوجوه مألوفة .
ثمة أشخاص حين تمر عليك وأنت لاتعرفها قد يأخذك الفضول أحيانا وتسأل من حولك يمينا أو شمالا من هو هذا الشخص ؟، وقد يفوتك السؤال نظرا لانشغالك باستقبال المدعوين أو المعزين فتضيع منك فرصة السؤال وبعضنا لايدير باله ولا يلتفت للأمر مطلقا ، تلك مشاهد معاشة تمر علينا بإستمرار ، بالنسبة لي ألفت شخصا من هؤلاء المجهولين أسماؤهم عندي لا أراه إلا في تلك الأجواء ، ما إن يصافحني معزيا أو مباركا ، إلا وتأخذني العاطفة نحوه ، ويرق قلبي تقديرا له ، ليس في شكله لكن في قبضة يده اليمنى ؟ ، ويعاجلني الارتباك بمجرد مصافحته ، وكم ترددت كثيرا بأن أسال عن اسمه ؟ برغم إلحاح السؤال الذي يتكرر كلما ألتقيه مجددا ،صيغة تسائلية ظلت معلقة في خاطري منذ زمن تخبو وتنتعش بإلحاح الذاكرة، ياترى عساه من يكون ؟ شخص تعودت عيني على رؤياه في أجواء تلك المناسبات، يأتي بوجه طلق وبمر بابتسامة مريحة للقلب.
شاءت الصدف مؤخرا
بأن أتعرف عليه خارج ذلك الاصطفاف المعهود بعيدا عن مجالس الفرح ومآتم الحزن ، لمحته جالسا يصيخ السمع للمحاضرة المقامة في رحاب ديوانية سنابس التابعة للجنة التنمية الأهلية كان ذلك صبيحة يوم أحدى الجمع المباركة قبل نحو 3 أشهر تقريبا ، وشغلني وجوده لأنها هي المرة الأولى التي أراه هنا فهو ليس من رواد الديوانية ، وأيضا هذا هو اللقاء الأول معه خارج تلك الأمكنة الوقورة ، وبعد انتهاء المحاضر من ندوته والرد على المداخلات ، أعلن الأستاذ (زهير الضامن) الذي يتولى دائما كل إدارة اللقاءات، مخاطبا بصوته الجهوري (بأن شخصا يجلس بيننا هذا اليوم حضر خصيصا ليكرم أستاذه وسط حضوركم الكريم) ، نادى باسمه كاملا وتقدم عند المنصة فإذا به هو الشخص الذي أعنيه وسعيت زمنا بيني وبين نفسي لمعرفته ! حين هممت بالتقاط الصور التذكارية لتوثيق لحظات الاحتفاء بمعلمه الأستاذ الفاضل (محمد علي تلاقف) لقطة تلو الأخرى، ابتسامات موزعة بالود والحب والوفاء واعتزازات بالأيام الخواليا، قدم هديته وهي نموذج لسفينة بحرية ظننت في البدء بأنه اشتراها من أحد الصناع المهرة هكذا ترجمها عقلي مباشرة، لكن المفاجأة زادتني اندهاشا وحيرة ، حين علمت لحضئذ بأن هذه التحفة التي قدمها هي من صنع يديه من الألف إلى الياء ! !
ياإلهي كيف تسنى له ذلك !
وراحت الأسئلة تدور في داخلي وتتوالى دون أن أوجه له أي واحدا منها احتراما لشخصه الكريم وخصوصا للتو أتعرف عليه عن قرب وهي فرصة منتظرة منذ زمن، ورأيت في قرارة نفسي بأن الموقف غير مناسب لتوجيه مايشغلني من أسئلة وخشيت أن أستثير حفيظته وربما أحرجه من غير قصد ، هكذا ظننت ، فقط أبديت له الإعجاب وأسبغت عليه الثناء، فقام متحمسا بإحضار نموذج آخر من سيارته وهو عبارة عن نصف قارب مثبت على قطعة خشب (بليوت) سميكة الحجم ،اقترحت عليه بأن يلون الخلفية (بحر وسماء ) لتبرز أكثر ، قال لي أنت فنان ساعدني في ذلك وتكمن المفارقة بأنه يعرفني منذ زمن وأنا أجهله تماما وكنت ملهوفا لمعرفته !
بعد أن تفرق الجمع أخذت عمله ووعدته في أقرب فرصة سوف أباشر تلوينه لكنني لم أوف بوعدي سريعا كما كان منتظر ؟
وخامرتني فكرة الكتابة عنه من منظور فني ملؤه حدود الإعجاب والتقدير ببحث كيف صير الخشب فنا ، نية أصبحت هي الأخرى مؤجلة ، ركنتها في بالي كما القطعة الخشبية المركونة في مرسمي ، انغماسات الحياة وانشغلاتها التي لاتنتهي تسرق منا وعودا وآمالا مرتقبة ، مضى الوقت وكل يوم ألوم نفسي سأكتب وسألون ، إلا أن التسويف أخيطه كوسادة من كسل وعتب ، وبينما أقلب رأسي عليها بين حين وآخر ، صاح جوالي ذات مساء وما إن فتحته وبعد تحية والسلام من (أبناء الجيراني سعيد وحسن ) يدعواني لزيارة مجلسهم حالا لمشاهدة شيء من إنتاجهما الجديد ، لبيت الدعوة سريعا وكانت المفاجأة الرائعة الغير منتظرة إنه فيلم وثائقي عن ذلك الشخص الذي شغلني طوال الوقت ماضيا وحاضرا ، سيد هذه المقالة ، ما أنا فرغت من المشاهدة أطلقت عنان الكلام لأبناء الجيراني على هذا العمل المدهش ، لدرجة حماسي وتفاعلي مع مجريات الفلم حلمت في ذات الليلة وكأني لازلت أشاهد الفيلم معهم ثانية وأخاطب سعيد الجيراني عن اللحظة الحاسمة في الفيلم يجب أن تكون وقعها أقوى دراميا مما شاهدت ، وأبديت لهم بعض الرتوش الفنية وأخبراني بأنهما كانا في حالة سباق مع الزمن تصويرا ومنتاجا ليلحقا بالمشاركة في مسابقة الأفلام قبل إنتهاء الموعد المحدد للقبول .
إن فلمهما المعنون بـ(أبوناصر) يكشف النقاب عن إنسان لم أتوقع بأنه يملك كل هذا المخزون من التجارب والخبرات والهوايات والذكريات بحسن طلاقة كلام قولا وشعرا ، ومقدرة في التعبير عن نفسه بسجية محمودة ومؤثرة ، وبكمية من الأحاسيس الفياضة المترعة بحب العمل والفن والناس .
فلم يبرز حالات التقلب الإنساني في شقائه ومرارته في الحياة وتحديه وقهره للظروف مهما كبرت وعظمت دون استسلام أويأس . ولم يكتف أبناء الجيراني برسم حدود الشخصية لذاتها بل اشتقا منها المتغير والمتحول في مجتمعنا ، تنوع التصوير في أكثر من مكان ولمدة أربعة أيام بجهد مكثف ، زاده (المنتاج) جمالا بتراتبية المشاهد وتقطيعها بتنوع جاذب ، مطعمة بمواد أرشيفية، ومن صور قديمة تخص صاحب الشخصية بمختلف مراحل حياتها مع إضافة مؤثرات موسيقية وغنائية التي تم اختيارها بعناية بما يخدم مجريات الفلم والذي يشيع في المشاهد روح التفاؤل برغم اللقطات الموجعة من فقد وفرح . نعم استطاع أبناء الجيراني أن يسلطا الضوء على شخصية ملهمة تعيش في الظل لم يلتفت إليها أحد من قبل ، الأمر الذي يقودنا عن أناس مثله يملكون من الطاقات والكفاءات والمواهب يمرون من أمامنا في الشارع في الكورنيش في المتجر ونقابلهم في مناسبات الحزن والفرح ، وكم نحزن حين ينكفئون على أنفسهم ولا أحد يدري عنهم ! هل قدرهم بأنهم يحبذون العيش في الظل ، أم هذا هو طبعهم ؟ ربما لا يملكون الشجاعة للإفصاح عن مكنوناتهم الرائعة المستترة في ذواتهم وأن أشيعت تبقى حبيسة ضمن محيطهم العائلي المغلق ، وإذا لم تتح لهم فرص الاكتشاف وإبرازهم بالشكل اللآئق للعلن ، قد ينطفئون في غياهب النسيان .
أبناء الجيراني حين راودتهم فكرة الفيلم كانت رؤيتهم اكتشافية لإنسان لديه مخزون هائل بتجربة حياة مثيرة تستحق أن ترى وتشاهد وتسمع ، قدموه في قالب من التشويق والمتعة بمهنية وحرفية عالية ، وكان حظ كاتب السطور شرف المشاهدة الأولى قبل الجميع .
وكم تفاءلت كثيرا حينما أبلغاني الأخوين الجيراني بقبول فيلمهما وتم ترشيحه للمنافسة في مسابقة الأفلام بالأحساء ، فكتبت للأخ سعيد عبر الواتس (إن شاء الله فيلم أبوناصر يوافيه الحظ الناصر) ، وجاءني الرد منه :
(المشاركة بحد ذاتها كافية بين أسماء مهمة لها باع في الإنتاج الفني .. ونحن سعداء بقبول العمل وعرضه في المهرجان الأول للأفلام الاجتماعية ) ثم عقبت عليه حالا (هي تجربة أعتبرها مثيرة وطالما قبل من ضمن أفلام العرض ، فهذا مؤشر مبشر لما ستخبئه الأيام وماتدري ربما يحقق شيئا ما، تفاءلوا بالخير تجدوه ..)
وأخيرا جاء الخبر السار مع إعلان نتائج المسابقة
( أبوناصر يتخطى 23 فيلما وثائقيا ويقبض على فضية مهرجان الأحساء ) .
الأخوين الجيراني حينما تقدما للمشاركة ، كان يأملان بقبول العمل وأن تكون له مساحة مجدولة ضمن العروض ، طموح لم يتعدى أبعد من ذلك ، وحين رشح للمنافسة لم يدر في بالهما بأنه سيتخطى أفلاما تقف خلفها أسماء معروفة لها باع طويل ومشاركات متعددة و تجارب وخبرات وإمكانيات مادية ، وهنا تكمن روعة فلم أبوناصر فقد أنتج وسط إمكانيات بسيطة دون تكلفة ولا بهرجة أجهزة متطورة ، ولاوسائط تقنية عالية ، والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا فاز ؟ من نجح الفيلم ليتبوأ المركز الثاني هو إنسانية الفيلم بالدرجة الأولى، وبساطة الرجل المعجون من طين هذه الأرض فسرده المتواصل مشوق بين آهات الحزن والفرح، دون شكوى أو تبرم ولا لعن للحظ أو سخط من قدر ، تعايش مع اللحظة الفجائعية في حياته بإيمان وصبر وأهل نفسه بنفسه بثقة وثبات في العمل، ركن الاستسلام جانبا بل نزعه من طريق حياته مطلقا ، لأنه لم يلتمس العذر في وضعه المستجد، شخصية أبو ناصر هي عينة من رجال مثله ناضلوا بكفاح لايلين وجهد مضاعف لايستكين واقفين بثبات وعزم وإصرار بشموخ المنتصر .
والأخوين الجيراني استطاعا توظيف الخاص في العام بمشاهد حية حيوية تلامس الحواس دون استئذان فالشخصية فرضت حضورها على المحكمين لأنها تتحدث بصدق بشفافية عن نفسها وهي تلامس الآخر بمرايا المحبة وبإحساس نبيل وعميق وبروح مرحة ضحوكة مستبشرة تقول لنا بأن الحياة جميلة تستحق أن تعاش وعلينا أن نزينها بإبداعاتنا ، مهما مرت علينا المصائب والمحن ، أبو ناصر شخصية فذة أبرزاها لنا أبناء الجيراني باشتغال ذكي وبرؤية فنية آسرة ، فالإبداع ليس حكرا على أحد .
الآن بعد مشاهدتي للفيلم سأصافح أبا ناصر دون ارتباك ،لأنني سأصافح عزما لايلين، ولن تأخذني عاطفتي بمسكنة كما السابق فهو رجل ملهم عنوانه أنشودة فرح .
ألف تحية لك من القلب أيها المثابر بعناد يا (علي ناصرآل شطي) فأنت مثال يحتذى ، وضحكتك المتواصلة في الفيلم حكمة بليغة .



