الباحثون عن هوياتهم، والموهومون بذواتهم يشبهون إلى حدٍ كبير جداً أولئك العاطلون عن العمل، والذين يخفقون كل مرة في الحصول على وظيفة تقيهم شر العازة، وذلك بسبب اشتراطاتهم المسبقة لنوعية وكيفية الوظيفة، والتي يريدونها على مقاسهم الخيالي الذي يرون أنفسهم فيه، دون أن يشفع لهم ما يؤهلهم لذلك .
هذه الفئة المغبونة يمكن أن تراها في أي مكان ومناسبة ووقت، ومن دون دعوة، فشخصياتها فضولية وانتهازية، فقط عليك الإلتفات هنا وهناك ولن يعييك البحث عنها، فربما تكون خلفك أو أمامك أو عند أحد جانبيك.
هي تحاول الوصول دوماً لأن تكون جزءاً من كل، ثم تتسلق لتكون في وضع تنتشيه، ثم لا تلبث أن تظهر حقيقتها، حيث التسلق بغرض الإستحواذ على كامل الحضور، وإن لم يحصل فسوف تدع المكان بعد محاولة العبث به، بحثاً عن مكان آخر يؤيها.
وافتضاح هذه الفئة البائسة ليس صعباً، فسرعان ما تظهر حقيقتها لأنها تتعجل إظهار رأسها من لباس النفاق، والمجاملة الزائفة فضلاً عن الكذب، ولهذا نجد أن البعض يمقتها ابتداء، في حين أنها في الأصل لا يمكنها الوصول لما وصل له أصحاب الهويات الحقيقية ، عن جدارة واستحقاق، فصاروا في مقدمة الركب، وصدارة المكان والزمان.
وهي لا تخجل بطبيعتها، ولكنها لن تحاول كثيراً إذا استعصت عليها الغاية، بل سوف تترك المكان الذي قصدته إلى مكان آخر نقي القلوب والنيات، تبحث لها عن وجود غير موجود بين المجموعات الواعية، والأفراد الراقين والمسالمين، فتنكفىء قليلاً، ثم لا تلبث أن تعود باحثة عن مولودٍ ميت.
مشكلة هذه الفئة أنها سرعان ما تلعب اللعبة على المكشوف وبلا أخلاقيات، وتضرب من تحت الحزام، فتنسف كل ما هو أمامها، غير آبهة ولا مهتمة بردود الأفعال، طمعاً في غنيمة لا يركض ورائها غير أكلة اللحوم البشرية، وأصحاب القلوب الحجرية.
هؤلاء لا يعلمون، أو يعلمون ولا يهتمون بأن الله عز وجل جواد كريم، يعطي بلا حساب، وأن خيره وفضله في متناول خلائقه، ولن ينقص من أحد شيئاً، وأن العبد يجتهد ويحصد، ولن يحصل نقصانٌ عند الطرف الآخر، لكن هذه الفئة هي التي تحرم نفسها بنفسها، فبدل أن تسعى جاهدة لتكوين ذاتها، تراها تبحث عن ذلك بين الأزقة والبيوتات، وشطآن المحيطات التي سوف تكشفهم وتعريهم أولاً قبل أن تغرقهم وتنجي أبدانهم ليكونوا عبرة للمتسلقين على ظهور المتميزين.



