أمام مرأى الإنسان الكثير من المواقف و نتاج العلاقات الاجتماعية المتنوعة ، و التي يمكن من خلالها فهم واقع الناس و طريقة تفكيرهم و نظراتهم المستقبلية ، فالشخصيات تتباين في اتجاهاتها و طباع أصحابها مما يجعل الموقف و الحدث الواحد يحتمل تفسيرات و أحكام و تصورات متعددة ، و هذا ما يهب الفرد كما واسعا من الخبرات المتراكمة و قدرا كبيرا من الإحاطة و الفهم لحقائق الأمور و الاتجاهات و مسار الأحداث ، و ذلك إن كان صاحب بصيرة و وعي يقوده نحو تثبيت قدميه على أرضية ثابتة في مواجهة التحديات و الصعاب التي تداهمه و عليه مواجهتها بكل قوة و اقتدار و تحمل ، و إلا سقط تحت أقدام الزمن الصعب و دخل في دوامة المتاهات.
و تتباين مشاعرنا تجاه من نقابلهم بدرجات كبيرة ما بين انجذاب و ارتياح كبير و بين تغيظ من شخصيات منفرة و مستفزة و أنانية ، و في منطقة الوسط يختفي كثيرون ممن نقابلهم و نتعامل معهم ثم يختفون من مشهد تواصلنا ، إذ جمعتنا بهم روابط أسرية أو عمل أو جيرة أو لجان عمل مجتمعية و غيرها ؛ ليكون بعض الناس يمثل قيمة كبيرة في حياتنا و ننسجم معه فكريا و وجدانيا بل نجد أنفسنا فيهم و معهم ، و لا يخلو مشهد الحياة من الشخصيات الانتهازية و المخادعة و المتلونة و التي تظهر بأفضل صورة و أعذب كلام فيتسللون إلى حياتنا بسرعة ، و ما إن تتم المهمة التي خطط لها كثيرا و يحصل على مصلحته الضيقة حتى ينسحب بخفة و هدوء ؛ ليكونوا لنا عبرة و درسا قاسيا نتعلم منه مستقبلا.
و بلاشك فإن طريقة تعاملنا مع من حولنا لها دور في تنمية مسيرتنا و قدراتنا و مدركاتنا الفكرية ، أو تتجه بنا نحو مسلسل الخسائر و ضياع الوقت و الجهود إن لم نستوعب مهارة التعامل مع المواقف بكل عقلانية و بعيدا عن العاطفة العمياء أو الانفعالية الطائشة ، و لا يزيح متاعب الحياة و يخفف وطء الضغوط النفسية الناجمة عن الاحتكاكات اليومية و أداء المهام و الواجبات ، و لا يرسم معالم السعادة و راحة البال إلا استثمار المواقف و تحويلها لفرص متاحة ، و ضبط النفس و التحلي بالقدر الكبير من الهدوء و الحكمة التي تجنبنا استفزاز البعض فنعرض عن الردود المتهورة التي تستنزف طاقتنا النفسية و تشغلنا عن التخطيط لتحقيق أهدافنا و آمالنا المستقبلية.
كم من الأوقات ضيعناها بسبب طريقة تفكيرنا السلبية ، فنجتر آلام الماضي و نستحضرها فتتحول إلى كابوس رهيب لا يفارقنا ، و نتخوف من المستقبل المجهول دون استعداد له بصبر و وعي بطبيعة المرحلة التي نعيشها و أبعادها ، و نشغل أنفسنا بما لا يهمنا أو لا مردود منه على حياتنا ، فنتوه في تفاصيل حياة الآخرين كحكايا نتسمر طويلا للتعرف عليها ، فنتخلى عن الهدف الأول غي حياتنا و خو إصافة كل معلومة أو مهارة أو خبرة تكسبنا ألقا و تقدما .
و كم من الأوقات و الجهود ضاعت بسبب خلافات و قطيعة و احتراب جنى منها الجميع الخيبة ، و فن التسامح و التغافل عن الأخطاء البسيطة و الامتناع عن الرد المسيء أو استعمال أسلحة الدمار الشامل و هي الكلمات النارية و البذيئة ، هو ما يحافظ على توازننا النفسي و الوجداني و يعطينا قدرا كبيرا من الواقعية في التعامل مع الأحداث.
و لسان النقد السلبي الحاد و الناقم على كل ناجح أو إنجاز و إبداع ، لن يسلم من وقعه أحد فلا تتأثر بكل ما يتناثر من كلام ينتقص من جهودك ، و لن تسلم من رصاصهم الطائش يوما إلا إذا كنت خاملا و عنصرا غير فاعل لا يوجد له من دور في تنمية المجتمع.



