كثيرا ما نتحدث عن حاجة البنت الى عطف امها وهو امر مهم جدا خصوصا مع انشغال الاسرة بتوفير المال والدراسة والمصروفات لأبنائهم إلا اننا نغفل عن امر اخر وهو حاجة الولد الى عطف ابيه ومصادقته والتقرب منه وهو امر قد ندرك من خلاله الاثار التي نرى بعضها في بعض الانحرافات او الجفاف في العلاقة مع الوالدين والتي يكررها الكثيرون منا بعنوان العقوق ويُتعامل معه بتلك التصنيفات وربما هي حالة انعزال عن الواقع.
تتمثل حماية الاب لابنه في توفير الامان النفسي سواء بالمودة والقرب منه او باستشارته ومصادقته وهي امور نبتعد عنها كلما صادفنا صدود الابناء تارة او انشغالهم بديوانياتهم واصدقائهم او عدم الثقة بارائهم باعتبارها غير ذات خبرة ونضج.
ولعل اشد حالة نواجهها حينما يكونون اكثر عنادا ومسوفين لطلب ابائهم فيضع الاب عنوانا جافا لابنه مما يجعله يبتعد عنه شيئا فشيئا حتى لا يجد الابن مكانا مريحا سوى اصدقائه وزملائه الذين يكونون اساس علاقاته وتفهمه للناس وربما وجد من يكونون مصدر انحرافه الاخلاقي والمعرفي والعقدي .
اضافة للحاجة المادية فان الحاجة الى تنمية معارفه وسبل تنمية ادراكاته العقلية وتقوية اصوله العقدية والدينية والاخلاقية واضفاء حالة الطمئنينة النفسية وهي تمثل رابطة لا تنفصل عن ذاتك انت،
وتعبير الامام السجاد (ع) "واما حق ولدك.." (1) يحمل تلك المعاني والعلاقة التي تحرك فيك نوع الاتجاه الذي تسير فيه فمن الرابطة الطبيعية من كونه منك،فان سلوكه الدنيوي متعلق بك ايضا فان كان خيرا او شرا فسينسب اليك وانت مسؤول عن حسن ادبه ومعرفته بربه ومساعدته على طاعته.
امير المؤمنين (ع) في وصيته للامام الحسن (ع) بعد رجوعهم من صفين في كلمة تحمل اعمق معاني الرابطية النفسية بتعبير كبير جدا ، نجتزيء منها هذه الجملة "ووجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي.." وهي تعبر عن قوة مشاعر الاب تجاه ابنه .
بعض الاباء يفترض ان هذا الولد هو رجل ولا يحتاج الى علاقة صداقة معه وهو امر بعيد عن الواقع تماما وهنا تفترق سلوكيات الاباء تجاه ابنائهم بين من يرى ان مراعاته ومصادقته المتواصلة تمثل افضل سبل التربية الحسنة وبين من يجد ان رجولته تكون في مواجهته للشدائد ليقوى او ان تركه للحياة ستصقل نفسيته.
ولعل ما نراه من كلام امير المؤمنين (عليه السلام) وهو يتحدث عن تربية رسول الله (صلى الله عليه واله) تمثل مشاهد الحاجة الى العطف النفسي الذي يحتاجه الابن وفي هذه القصاصة من خطبته المسماة بالقاصعة : "وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه،ويمسني جسده ويشمني عرفه..." – نهج البلاغة 192 – حيث نلاحظ صورة عاطفية دافئة انطبعت في نفسيته (ع) ، فوضعه بحجره وضمه اليه ونام بجانبه وشم رائحته ... كلها تعطينا صورة حية عن كيفية خلق عامل الارتباط بقلب ابنك ونفسيته حتى انه لا يرى في قسوتك الا نوعا من الحب لاجل مصلحته لما بنته علاقتك به من محبة ومودة ،
بل تجعله اكثر طوعا وامتثالا وفناءا في الاقتداء بك وهذه القطعة التالية تمثل ذلك المعنى " ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به.." وهي صورة تعبيرية اخرى عن مدى وشدة الرابطة النفسية به والتي تجعله يعتبرك قدوة حقيقية يمكن الارتباط بها .
هل قلت لابنك انك تحبه وتعتز به وتفتخر بانجازاته ...؟
بعض الاحيان ننتظر المدرسة ان تكرمه فنشعر بالاعتزاز به بل الاصح ان تكون انت من يعتز به والمدرسة تاتي ثانيا فهو يشعر بالارتباط بك وربما فرحته بتكريم المدرسة لانه يرى انه حقق طموحك والا فنظره الاولي هو لك انت ايها الاب.
واخيرا فلا تظهر له تفوق الاخرين عليه بل اعتز بما حققه وقل له ستحقق مزيدا من التقدم في الايام القادمة
هامش
(1) وَأمَّا حَقُّ وَلَدِكَ فَتَعْلَمَ أنَّهُ مِنْكَ وَمُضَافٌ إلَيكَ فِي عَاجِلِ الدُنْيَـــــــــا بخَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَأَنَّكَ مَسْئولٌ عَمَّــــــا ولِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ الأَدَب وَالدّلالَةِ عَلَى رَبـــــــــهِ وَالْمَعُونةِ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ فِيكَ وَفِي نفْسِهِ، فَمُثابٌ عَلَى ذلِكَ وَمُعَاقَبٌ، فَـــــــــاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ الْمُتَزَيِّنِ بحُسْنِ أَثرِهِ عَلَيْهِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، الْمُعْذِرِ إلَى رَبهِ فِيمَـــــــا بَيْنَكَ وبَيْنَهُ بحُسْنِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ وَالأَخذُ لَهُ مِنْهُ. وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.



