منذ صغره كان شغوفًا باللقطة الفوتوغرافية، شد خطاه ناحية الثقافة البصرية، ليصقل موهبته، نقش توقيعه الفوتوغرافي باتجاه أوسعها الأبواب. اهتم كثيرًا بحياة الشارع، استفز عدسته الماضي بكل ألوانه ومشاربه، سعيًا في تجذير الثقافة التوثيقية البصرية، لمعالم محافظة القطيف، الحرف والتراث، الإنسان كبير السن، المزارع الذي شغفه عشقًا، ليجدف ناحية الفضاءات، الواسعة الظل، التي تحتويه، ليلتقط عرق جبينه بين لحظات الشمس، الخضرة بين يديه ورموش عينيه. يرى في المرأة الفوتوغرافية، بأنها تمتلك كل الأدوات والإمكانيات، التي تخولها لتكون متألقة ما بين قمم الجبال إبداعًا وتميزًا. الفنان الفوتوغرافي محمد الخراري، يهمس في أذني «القطيف اليوم»، يهديها جماليته الواعية، واللقطة الجمالية الأروع.
س: عرفنا على بطاقتك الشخصية والفنية؟
ج: محمد عبدالله الخراري من مواليد محافظة القطيف، بكالوريوس رياضيات، معلم مرحلة متوسطة، مهتم بالفنون البصرية والأدبية في مراحل مبكرة، قراءة واستمتاعًا.
س: حدثنا عن بداية دخولك العالم الفوتوغرافي؟
ج: منذ المراحل الأولى من حياتي، كان اهتمامي بالفنون بشكل بسيط، بدأتها بالخط العربي وممارسته، وفي المرحلة الثانوية زاد شغفي بالفنون، فصرت أحرص على زيارة المعارض التشكيلية في المنطقة، غالبًا ما تكون برفقة الفنان التشكيلي محمد الحمران. وفي المرحلة الجامعية وتحديدًا عام ١٩٩٤م، تعرفت على الكاميرا (إس إل آر) من خلال دورة مبسطة، ومنها بدأ الاهتمام بالصورة الفوتوغرافية، لكن لم يتضح توجهي نحو الفوتوغراف إلا بعد الانضمام لجماعة التصوير الضوئي بالقطيف في بدايات الألفين، وبعد أخذ دورات وورش في أسس التصوير الضوئي، والتكوين الفني، والغرفة المظلمة، وأسس إضاءة الأستديو على يد الأساتذة السيد حسين أبو الرحي، وعلي أبو عبد الله، وعلي المبارك..، بعدها توالت الاستفادة من الدورات والورش، التي تقدمها الجماعة على يد مجموعة من المبدعين. بعد هذه المرحلة بدأت بتكوين شخصيتي الفنية من خلال تكثيف القراءة في مجال الفنون البصرية، كذلك حصلت على الدبلوم من المعهد الاسترالي للتصوير الضوئي.
س: أي الشخصيات التي اتخذتها قدوة، تأخذ بيديك وتطلعاتك، لتأثر في حياتك الفنية، أجنبية كانت، أم عربية؟
ج: الشخصيات المؤثرة كثيرة جدًا، ولكن الأقرب لي، الأستاذ الكبير الفنان التشكيلي والفوتوغرافي علي أبو عبدالله، حيث كان ولا زال الملهم والمعلم والحريص على الالتفات لكل توجهاتي الفنية، ولا أستغني عن استشارته.
س: طموحك إلى أين مجاديفه؟
ج: أطمح للوصول لذائقة نقدية عالية، دراسة وممارسة، وبعد ذلك نشرها في الوسط الفني، برؤية خاصة.
س: متى تعلن ولادة اللقطة الفوتوغرافية لديك؟
ج: المخزون الثقافي، والفني، والمشهد المثير للفنان، هي من تحرك الفنان لاقتناص لحظة يجدها الأقرب لذاته، ويستطيع التعبير من خلالها.
س: أي الصور التي تركت أثرًا في نفسك، لم يستطع النسيان اختراق ذاكرتها؟
ج: عباءة أمي عليها الرحمة المعلقة على باب دارها.
س: قصة مع صورة لم تتمكن من التقاطها؟
ج: صور كثيرة، كصورة لوالدي عليه الرحمة، وهو يعمل في سوق السمك.
س: هل للصورة إمكانية في تغيير الواقع تقنيًا في الملتقي من خلال السلبية والإيجابية، وكيف ذلك؟
ج: لاشك أن الصورة قادرة على نقل ما تريد إلى المشاهد، والمتلقي يبني انطباعاته من خلال ما يراه، سواء كانت الصورة صادقة في الأصل أم مزيفة.
س: ماهي العلاقة ما بين أدوات التصوير والفوتوغرافي، إسقاطًا على مفهوم الإنسان المنتج نوعيًا؟
ج: الأدوات التقنية مهمة جدًا للفوتوغرافي، لصناعة مشهد أو نقله بصورة يجدها معبرة، طبعًا الأدوات ليست كل شيء، ولكن لكل مشهد أو عمل فني حد أدنى أو أساسي لإنتاج لقطة مميزة.
س: هل يمثل التصوير بالنسبة لديك، نافذة رزق؟
ج: أنا مصور هاوٍ، فالتصوير ليس مهنتي، ومع هذا أجد أنه ينبغي على الفنان الاستفادة المادية، وخصوصًا عندما يبدع ويقدم منتجًا راقيًا.
س: أتجد أن الصورة الفوتوغرافية في محاكاتها للإنسان، همومه وتطلعاته، أفراحه وأحزانه، أكثر صدى من الحالة الجمالية، كتصوير الطبيعة مثلاً؟
ج: لكل محور من محاور التصوير أهدافه، ورسائله، حيث أن لصور المشاهد الطبيعية دورها في نقل الحالة الجمالية للمتلقي، وتؤثر على مشاعره وتخاطب روحه، كما أن الصور الإنسانية وغيرها لها دورها الكبير.
س: برأيك، هل الصورة الفوتوغرافية باستطاعتها اختراق جغرافية اللغة، لتفهم بكل اللغات؟
ج: بالتأكيد، فإن مفردات الصورة بصرية، يستطيع كل رائي من مختلف اللغات قراءتها.
س: نراك مهتماً كثيرًا بالتصوير التوثيقي، أين يكمن السر في ذلك؟
ج: أجد أن الانطلاق من الشغف الداخلي للفنان سر من أسرار نجاح أعماله، وشخصيًا، أجدني مشدوهًا بالحالة الإنسانية، وأجدها الأقرب لنفسي، ولذا فإنني أصور بعفويتي، التي أجدها الأنسب للتعبير عن أعمالي.
س: هل أقمت معرضًا فوتوغرافيًا شخصيًا؟
ج: أقمت معرضًا شخصيًا بعنوان ” تنوّع “، وهو معرض موضوعه القطيف وتنوعها من حيث الطبيعة والإنسان. وعن المعارض الجماعية، فإنها كثيرة.
س: إقامة معرض فوتوغرافي، خارج الأسوار الجغرافية للوطن، أتراها فكرة صحية، ما تعليقك؟
ج: جميل هو التبادل المعرفي والثقافي بين فناني العالم، والآن أرى أننا جميعًا نقيم معارضًا عالمية من خلال مواقع الإنترنت المختلفة. وعلى مستوى المعارض الفعلية على أرض الواقع سبق وأن أقمنا معارضاً جماعية كثيرة في دول الخليج وخارجها، كما أن أغلب المسابقات الدولية، تقيم أغلب معارضها من خلال نتاج المشاركين من مختلف أنحاء العالم.
س: هل بجانب كونك فنانًا فوتوغرافيًا، لديك موهبة أخرى تمارسها، ماهي؟
ج: الفن التشكيلي، هو الأقرب لي، ولذا أمارسه بشكل بسيط، ومن خلال تعلم أسسه على أيدي أصدقائي الفنانين في تلك المجالات.
س: ألا تتفق معنا في أن الصورة الحقيقية، كواقع لها دلالتها في المتلقي، بعيدًا عن ” خربشات ” المعالجة، كاستخدام “الفوتوشوب”، على سبيل المثال لا الحصر؟
ج: الفن لا حدود له، عندما نتكلم عن الصورة، كناقل أمين للواقع، فإنه بالطبع ينبغي عدم تزييفها من خلال المعالجات، ولكن عندما نتناول الصورة من جانب فني، فإن المجال واسع للتعبير بشكل يحوز على رضا الفنان نفسه، ويصل إلى ذائقة المتلقي الواعي.
س: لجأ الكثير من الفوتوغرافيين من كلا الجنسين إلى توثيق المباني وحياة الإنسان في القطيف قديمًا، في غياب واضح عن التوفيق المعماري الحاضر، الذي سيصبح ماضيًا، عطفًا على الزمانية، ما تعليقك؟
ج: أظن أننا لا نزال في بداياتنا عندما نتكلم عن التصوير الفوتوغرافي. إن عمر التصوير في المنطقة قصير جدًا، ولذا لا نزال نشجع بعضنا بعضًا، في اختيار مواضيع فوتوغرافية جديدة بالنسبة لنا، ونشتغل بها لفترة، وبعدها نتوجه لشيء آخر، إلى أن نحدد شغفنا الحقيقي، فنجد أنه في الآونة الأخير توجهنا لتوثيق حياة الناس في القطيف بعد أن تأثرنا بآخرين، وهكذا الحال بالنسبة للجانب المعماري، فنجد أن بوصلة الفوتوغرافي “القطيفي”، متوجهة للتوثيق المعماري بشكل واضح، وأعتقد أن لفريق التوثيق بالقطيف الدور الكبير في التركيز على كل تفاصيل العمارة في المنطقة.
س: ماذا قدم الفنان “الخراري”، للسياحة بمختلف ألوانها، وماهي الإضافة؟
ج: تكثيف الصورة القطيفية الجميلة، وخصوصًا البيئة الزراعية منها، أظن أنها من أهم ما أحاول تقديمه.
س: بحسب تواصلنا مع المرأة الفوتوغرافية، وجدناها تعاني من التهميش والإقصاء في جماعة التصوير الفوتوغرافي بالقطيف، سابقًا -بحسب إفادتها-، كيف ترد؟
ج: الشعور بالتهميش بحد ذاته، عائق كبير أمام تقدم المرأة، على العكس أجد أن حضور المرأة وأعمالها الفوتوغرافية قوي جدًا، وجماعة التصوير الضوئي بالقطيف ومنذ تأسيسها اهتمت بالفوتوغرافيات، وقدمت لهن الكثير وبما يناسب خصوصياتهن. كما أن الجماعة ومنذ سنوات أضافت منصب “نائبة رئيس”، تكون بمثابة مشرفة على الجانب النسائي بشكل قريب جدًا.
س: هل المرأة قادرة على اقتحام العالم الفوتوغرافي، لدينا في محافظة القطيف، أم هي محاولات مراهقة؟
ج: في عالم الفن، المجال واسع جدًا للجميع، وكما ذكرت سابقًا، أن الشعور بالتهميش، لا ينبغي أن يكون حاضرًا لدى الفوتوغرافية، وخصوصًا أن مجالات التصوير واسعة، وهي قادرة على ممارسة كل ذلك، مع الحفاظ على خصوصياتها.
س: كيف توصف وجود المرأة في العالم الفوتوغرافي، خصوصًا وأنه لأول مرة، تأتي فوتوغرافية نائبة رئيس في جماعة التصوير الضوئي بالقطيف؟
ج: منصب نائبة الرئيس موجود فعليًا، كمسمى منذ ٢٠٠٩، وقبل هذا التاريخ، كانت مشرفة القسم النسائي ولهذا فإن وجود الفوتوغرافية بدأ مع بدايات الجماعة.
س: برأيك، هل يعاني الفن الفوتوغرافي في القطيف من الشللية؟
ج: مفهوم الشللية غير لائق أصلاً، ولا ينبغي توصيف حالة تجمعات معينة بهذه الصفة، فطبيعة الفنان والإنسان بشكل عام، ميّال للأشخاص القريبين منه من حيث التوجه، والفكر، أو من حيث طبيعة العمل، كالاشتراك في لجنة ما، فمن الطبيعي أن تجدهم معًا في مناسبات كثيرة، وأما من حيث تمييز أشخاص على آخرين فلا أجد ذلك.
س: ماذا تعني هذه الجملة، لديك “تميزك، هو تميز لي، وتميزي هو تميز لك”، وما مدى وجودها واقعيًا في عالم الفن بالقطيف، في اختلاف مشاربه وما حولها من المناطق الأخرى؟
ج: التكامل مهم جدًا، والفنانون وتوجهاتهم الفنية المختلفة عبارة عن فسيفساء فنية جميلة، تكتمل بإبرازها لتكون تحفة رائعة، وفي المنطقة موجود هذا التنوع والتميّز، والذي نسعى على الدوام لإبرازه.
س: حتى الآن، كم عدد الصورة الفوتوغرافية لديك، منذ بداية دخولك لعالمه، زودنا بصور تحاكي هذه الفترة الزمنية؟
ج: في عصر الصورة الرقمية تضاعف عدد الصور لدينا، ولكن عندما نتكلم عن عدد الصورة، فإنه ينبغي عد الصور المميزة والغير مكررة.
س: كلمة أخيرة لك ماهي، ولمن توجهها ؟
ج: شكرًا لإتاحة الفرصة في هذا اللقاء، وكلمة أوجهها لأصدقائي الفنانين: كن حريصًا على أن تكون أنت، لا نسخة مكررة من آخر، وانطلق من شغفك، وستتميز.









