12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

السادة.. حِرفيّ يختبئ خلف بدلة حارس

يعيش بابتسامته، حارساً لطلاب المدارس، يتنقل من مدرسة لأخرى، كادحاً على نفسه وعياله، والطيبة تزين أخلاقه.

السيد ماجد باقر السادة، ذلك الخمسيني، الذي ولد ونشأ في مدينة القطيف، فتح عينيه المندهشتين مراقباً والده المرحوم السيد باقر، وهو يصنع السفن بحرفية الرجال الأقوياء، ليكون نتاجه مصارعاً للحياة اذا غضبت الرياح، وأدارت أعظم أعاتي الأمواج.

وكبرت مهنة "القلاف" في عينيه حتى قرر في الثامنة عشرة من عمره أن يتحدى الموج ويصنع سفينة تتشبث بالحياة وتسير كما موال خليجي أصيل استعذبه النهام.

ووقع السادة في عشق خشب الكرز الهندي بدرجات ألوانه العديدة، وارتسمت النقوش على يديه هندسية ونباتية، فوضع أحلام طفولته على مجسمات السفن، والأقفاص، والغليون، وأدوات المنزل، والأبواب، وكأنه يبر بوالده في أجمل لحظاته.

ويحكي السادة لـ«القطيف اليوم»، موقفاً نقش في زوايا قلبه أثراً عمقه سنوات الكفاح، وأبجديات الألم :"خرجت ذات مساء من مرتع إبداعي بمنجرتي بأم الجزم، ورغم تعبي إلا أن نبض السعادة بإنتاجي كان يطل من أسارير وجهي، لكني رأيت ما عكر صفو حياتي".

وواصل: "كان أفظع ما يشاهده أي حرفي أو فنان، إذ رأيت أعمالي يُحرج عليها الدلال في سوق شعبي، أعمال كانت ذات يوم ذات قيمة عند مقتنيها، وربما اشتراها لزينة يكاسر عليها السعر حتى أزهده..وكان ذلك الصوت وذلك المشهد الشعرة التي قصمت ظهر أعمالي، فَـجررت أحلامي المنكسرات، ومضيت بعيداً، يلوح لي عدم تقدير بعض الأشخاص لحرفتي، وتهميشهم لفني، وعدم تشجيعهم لعملي".

وعاد السادة إلى منجرته محملاً بكل ما رأى من مشاهد وصفها بـ"الموجعة"، ليرى روح والده تطل عليه من مرافئ الحنان والحنين، والبحر والذكريات، وإذا بصوت يهمس له: "كفكف دموعك إن فنك باق"، لينتصر ويقرر الاستمرار بالأعمال والإنتاج، مخاطباً شقائق روحه :"لا يلزم أن يشتريك أحد، ستبقين هنا معي في مكمن سري، يسورك حبي ولن يساويك أي ثمن".

وظل السادة حرفياً مجهولاً، ينتظر نافذة ليلقي مرساة فنه عبرها، وربما أطل على من يقدر أعماله.






















error: المحتوي محمي