ورد عن أمير المؤمنين في حق الزهراء : ( و لقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم و الأحزان )( كشف الغمة ص ١٣٤) .
الحياة الزوجية السعيدة و الخالية من الهموم و الخلافات و المنغصات ، هي هدف يرسمه الشاب و الفتاة من الارتباط في علاقة تجلب لهما الراحة النفسية و الإشباع العاطفي ، و الذي يبدو للمثالية أقرب منه للواقعية في نظرهم اليوم بسبب كثرة الخلافات و حالات الانفصال الحقيقي أو العاطفي !!
الحقيقة أن العلاقة الزوجية السعيدة هي واقع لا يفهمه البعض ، و ذلك أن هذا الاستقرار لا يعني خلو علاقتهما من محطات زعل أو خلاف أو تباين وجهات النظر في ترتيب واقع حياتهما المشتركة و مستقبلها ، و لكن الحنكة و الثقافة الزوجية و ما يتحلى به الزوجان من تفهم لظروف و شخصية شريك حياته ، يدعوهما لترتيب أوراقهما و حساباتهما وفق الحوار الهاديء و الاستماع للآخر ، بغية الوصول إلى حلول توافقية بعيدا عن لغة العناد و المناكفة و التهديد ، و هذا ما يبقي جسور المحبة و الثقة المتبادلة أعلى من وصول المياه الآسنة للكراهية و أساليب الاستفزاز ، فيبقى مركبهما - برغم موجات الخلاف العابر الذي يعالجانه بحكمة - يسير بهدوء و استقرار و هناء .
لا ننكر حقيقة وجود حالة الفشل في الاستمرار بعلاقتهما الزوجية ، نظرا لكثرة الخروقات و تغليب الأنانية و الانفعال المستعر ، و الذي أدى في النهاية لانهيار هذا الكيان و الصرح و تهاويه بفعل ضربات قوية تلقاها ، و لكن لو بحثنا في العوامل المؤدية لذلك سنجدها ترجع إلى افتقاد لغة التفاهم الهادئة ، و اللجوء للغة العنف اللفظي و تحقيق الانتصارات الوهمية ، فكل لحظة خلاف أو انفعال يفض الاشتباك فيها قبل الخروج عن طور العقلانية إلى الغضب المتصاعد ، ستجد فرصة للتصالح و إعادة المياه لمجاريها بعد تقديم تنازلات مشتركة ، فلغة الحب لا تعني صفا للكلمات الرقيقة فقط ، بل هي لغة التفاهم و حل المشكلات الزوجية بعدا عن المنغصات الهادمة .
إننا بحاجة في سبيل نشر الثقافة الزوجية إلى دراسة الشخصيات التي تمثل القدوة للشاب و الفتاة ؛ لنتعلم أساليب و خطوات بث السعادة الزوجية على الرغم من تخلل حياتهما محطات تحدث فيها خلافات ، فتغليب لغة الحب و التفاهم تجلب الاستقرار و تنهي مفاعيل أي مشكلة ، فيبحثان بهدوء و في أجواء تسودها لغة العقل و العاطفة للبحث عن حلول ممكنة تساعدهما على إبقاء منسوب الحب بينهما عاليا .
فالحياة الزوجية كأي علاقة تحتاج إلى رعاية و اهتمام و تنمية ، فقبل الحديث عن الخلافات و الطلاق لابد لنا من البحث عن محطات تمتين علاقتهما ، فالحرص على إظهار المشاعر و إبداء الاهتمام المستمر بشريك الحياة ، و كسر الروتين و الحفاظ على جلسات يستمع كل واحد منهما للآخر ، و تخلل مواقف يرى فيها حبيبه يتنازل من أجله و يضحي في سبيل ديمومة الصفاء بينهما ، بلا شك أنه سيتلقى كل ذلك بحفظه في صندوق المحبة و العمل على إسعاده .
عندما نستمع لأهم دروس الحياة الزوجية السعيدة على لسان أمير المؤمنين (ع) ، و الذي يعبر فيها عن محبته و وفائه لهذه المرأة العظيمة الزهراء (ع) ، فنظرة محبة تشع من وجهها المزهر لها مردودها النفسي و العاطفي عنده ، إذ تمسح عنه كل العناء و التعب من مشاغل الدعوة و الجهاد و تعليم الناس و توجيههم ، إنها النظرة الحانية التي تعبر عن معاني الحب و الثقة و الاحترام و التفاني و الاهتمام ، و ما هذه النظرة إلا تعبير وفاء و إجلال لرجل عظيم في نطاق علاقته الزوجية ، فهل تأسينا بهم في النظرة الحانية ، أم تمسكنا بنظرات يتطاير منها الشرر ، تعبر عن تربص و ترصد للأخطاء و العناد و الاستفزاز ؟!



