12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من يخطيء؟

يدور في أذهاننا تساؤلاً مفاده: هل يتمايز الحكماء وأصحاب الرأي الحصيف عن بقية الناس من جهة صوابية مواقفهم، فلا يمكن لنا أن نرى لهم يوماً خطأ ارتكبوه، أم فيهم شبه ومساواة مع الجميع، فيخطئون و لكن بنسبة أقل أم ماذا ؟
الحكمة تعني بصيرة نافذة و رؤية ثاقبة يمتلكها الأريب الواعي، يستطيع من خلالها استجلاء الحقائق والمفاهيم، وترفع عنه غشاوة الجهل والغفلة و تضع إصبعه على الحقائق ، فيرى الأمور و الأحداث من وجهة رشيدة يحلل فيها و يبحث عن الأسباب و النتائج ؛ و لذا تتسم رؤاه بجاذبية في النفوس و تقبل لها ، لما تحمله من منطقيةو واقعية ترتكز على أسس عقلية لا تقبل التفنيد أو التجاهل لها ، و هذا ما يجعل الحكماء موئلا و مصدرا للقرارات الحاسمة على المستوى الاجتماعي ، و يسمون بأهل الحل و العقد الذين يرجع لهم الناس في استبصار الموقف الملائم و المناسب بحسب نظرهم .
و لكن هذه الرؤية النيرة لا تعطيهم عصمة عن الاشتباه أو الخطأ ، و إنما تضع لهم نسبة عالية من الصوابية ؛ لما يمتازون به من تأن و روية في إطلاق المواقف و الأحكام ، فيبتعدون عن التهور و الرؤى الأهوائية و المنطلقات العاطفية البحتة ، و لكن كل ذلك لا يعطيهم صوابية مطلقة و رؤية لا تقبل النقد و النقاش ، بل هو العصف الذهني و تبادل وجهات النظر و اشتراك العقلاء في مشاورات هو ما يعطي رأيا حصيفا و منطقيا يقارب الواقع بعقلانية تلقى القبول .
و لكن هؤلاء الحكماء بالتأكيد لهم جذور و ملكات تميزهم و تعلي شأنهم ، فمن الإنصاف أن نعطيهم مقاما يليق بشأنهم يتناسب و عطائهم و منجزاتهم ، و التي لا تقل شأنا عن أي إنجازات أخرى في شتى ميادين العمل .
و يخطيء من يعتقد أن الرؤى المتزنة هي مجرد كلام لا قيمة له كفقاعات هواء تنطلق في الجو و سرعان ما تتلاشى و لا يبقى لها أثرا ، فإن تشخيص الأمور برشد و توجيه بوصلة التفكير نحو حلول ممكن لأي ظاهرة سلبية ثقافية أو اجتماعية أو نفسية أو غيرها ، و تقديم مقترحات تنشط قدرات الشباب و تشجعهم نحو تحقيق طموحاتهم و ما يصبون له ، مما يعلي مقاهم و يكون علامة بارزة في مسيرة التنمية و الازدهار المجتمعي ، يعد من علامات التقدم و النجاح و الإبداع ، و تصنع من الأجيال شخصيات تقدم عقولها قبل فتل عضلاتها ، و تجنبهم حياة العبث و الضياع و الفراغ ، و تعطي للوقت و الجهد قيمته و أهميته .
يمتاز الحكماء باطلاع نهم على الكتب و التراث الذي يحكي مكنون الإنسان و منجزاته على مدى التاريخ ، و لهم قدرة على استخلاص العبر و حياكتها بدقة كأوراق عمل تفيد في مسيرة الإنسان ، و ما يقعون فيه من خطأ لا يكون عابرا و يتجاهلونه ، بل يجعلونه درسا يستفيدون منه لئلا يتكرر منهم الزلل ، فهل نستفيد من حكمهم و رؤاهم ؟ .


error: المحتوي محمي