قال تعالى : { فاصبر إن وعد الله حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون }{ الروم الآية ٦٠} .
الآية الكريمة ترسم خط المؤمنين في مواجهة التحديات و الصعاب ، في حياة لا تجري أحداثها على وتيرة واحدة تسر المرء دائما ، بل أمواجها العاتية و رياحها العاصفة يمكن أن يصطدم بها في أي وقت و دون سابق إنذار ، و لا ينجيه من التورط في مآزق و مشاكل عويصة لا يقوى على الخروج من شرنقتها ، سوى أن يتجلبب بالقدرة على التحمل و التحلي بهدوء النفس في اللحظات العصيبة ، فإن الانفعال الشديد يشل التفكير و يكبل قواه عن اتخاذ الخطوة أو القرار المناسب ، مما يدخله في دوامة الحيرة و العجز عن البحث عن حلول أو مخارج تقع في دائرة إمكانياته ، فأين سبيل النجاة و النجاح بأقل الخسائر ؟
إنه الصبر الاستراتيجي الذي يرى فيه بصيص الأمل و ضياء الفرج و ليل الهم مخيم عليه ، فلا يفقد الأمل بتغيير الواقع المؤلم و انفراج الأمور نحو الأحسن ، فلا يتخلى عند حلول المشكلة و المحنة عن عوامل القوة التي يتملكها في رسم خارطة طريق يداور فيها زوايا الازمة ، واضعا لها أهم الحلول و يبدأ في تنفيذها و السير بها بما أمكنه ، و أهم تلك العوامل المثبتة لجنانه هو الثقة بالله تعالى و التوكل عليه ، فمن كان الله معه ما خاب مسعاه و إن طال الفرج ، فيخلع عنه القلق و الاضطراب و الأفكار السلبية و اجترار آلام الماضي و هيمنة الهزيمة النفسية و اليأس من مستقبل أحسن . فمهما كانت وقائع الأمور و العوامل المثبطة فإن ذلك لا يهز من عزمه و إرادته القوية ، فإن المنهزمين نفسيا و المرجفين يعملون على تثبيط همته و إضعافها ، بتيئيسه من تغير الأمور نحو الأفضل و تشكيكه بصحة معتقده و موقفه ، و توهين يقينه بوعد الله تعالى و نصره لعباده الصابرين على البلاء ، فما يدعوهم للانهزام و التعاجز هو خلو قلوبهم من الاتصال بالقوة المهيمنة على الكون و المدبرة لشئون العباد ، و أما المؤمن الصابر فإنه متمسك بالعروة الوثقى و حبل الله المتين ، فتعلوهم همة الثبات و الثقة بوعد الله و تأييده ، فإن الهموم و الصعاب ما هي إلا سحاب ما تلبث شمس الأمل بالله و همة العمل أن تقشعها ، فمهما حاول المرجفون أن يستخفوه و يزحزحوه عن موقعية الهدوء و الثبات فلن يفلح مسعاهم أبدا .



