في العراق، قصد شيخٌ فقير خيّاطًا، يحمل في يده قطعةَ قماش، وفي صدره رجاءً يحرسه الحياء. قال له «ذهبتُ بها إلى خيّاطين قبلك، فقالوا كلُّهم: عايزه». أي إنّ القماش يقصر عن تمام الثوب، ولا بدّ له من زيادة. أخذ الخيّاط مقاسه، ثم قال له برفق «إي نعم، هي عايزه، وإن شاء الله أكمّل لك العايزه».
كان الشيخ يسأل عن ثوبٍ يستر بدنه، فأجابه الخيّاط بكلمةٍ صانت كرامته قبل أن تمتدّ يدُه إلى القماش. وكم بيننا من يحمل «عايزته» كما حمل الشيخ قماشَه، يطويها في صدره، ويخشى أن يُحرجه السؤال كما أحرجه النقص.
رأى موسى عليه السلام امرأتين تذودان غنمهما عن الماء، فبادر إلى عونهما ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾ [القصص، ٢٤]. وصوّر القرآن سخاءَ القلوب حين يضيق الزاد ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان، ٨].
ولمّا استُشهد جعفر، دعا رسول الله ﷺ إلى إعداد الطعام لأهله، فقد شغلهم المصاب عن إعداد الزاد. وأوصى الإمام عليٌّ عليه السلام مالكَ الأشتر أن يجعل للمساكين والمحتاجين نصيبًا من بيت المال. ففي بيت جعفر جُبر خاطرُ أهل المصاب، وفي عهد عليٍّ حُفظ حقُّ من أعياهم طرقُ الأبواب.
ونحن نُكمّل عازةَ طفلٍ حين نصغي إلى خوفه قبل عتابه، وعازةَ شريك العمر حين نحمل عنه بعض أتعابه، وعازةَ قريبٍ أثقله الدَّين حين نقضي عنه بعضَه في ستر، وعازةَ جارٍ أقعده المرض حين نطرق بابه وفي أيدينا ما يُعينه على الصبر.
ويُكمّل ناشرُ الوعي عازةً حين يُبصّر الناس بموضع الخداع، والمعلّمُ في المسجد أو على المنبر أو في المدرسة حين يشرح ما أشكل ويُحسن الاستماع. ويُكمّل التاجر عازةَ قريةٍ حين يفتح فيها متجرًا يوفّر حاجات أهلها ويكفيهم مشقّة الأسفار، والموظّفُ حين يُتقن عمله ويُنجز للناس معاملاتهم فيوفّر عليهم طول الانتظار. وتُكمّل الجمعيّة عازةً حين تحمل إلى الفقير قوتَ الدار، وإلى اليتيم كسوةَ العيد في سترٍ ووقار.
فلنقل لمن ضاقت به الحالُ ما قاله الخيّاط «إن شاء الله أكمّل لك العايزه». فربَّ ثوبٍ أبلاه الزمان، وبقي دفؤه في قلب إنسان.



