05 , نوفمبر 2026

القطيف اليوم

البوصلة المفقودة

ما المانع من وجود نقص؟ وما العيب في أن يحمل أي عمل أو مشروع شيئًا من الخلل أو القصور؟ أليست الحياة في جوهرها تجارب ومغامرات، ومحاولات لا تنتهي لاكتشاف الممكن وتجاوز المألوف؟

بلوغ الكمال غاية يسعى إليها الجميع، لكن الحياة لا تمنحنا الكمال المطلق، وربما لم يكن الكمال أصلًا هو الغاية التي ينبغي أن نطاردها، بقدر ما ينبغي أن يكون السعي والتجربة والإنجاز غايتنا الحقيقية.

نصاب بالعجز حين نحاول بلوغ الكمال، وتتحول خطواتنا إلى دائرة عبثية، نعتقد أننا نتقدم من خلالها، بينما نحن في الحقيقة نعود إلى النقطة ذاتها.

نراجع، ونصحح، ونستبدل، ونعيد ترتيب التفاصيل، حتى نفقد القدرة على التمييز بين التحسين الحقيقي والخوف المتنكر في صورة إتقان.

إن أي مشروع تضع ضمن بنوده أن تكون أنت المنفذ والمقيم والناقد والحكم، فاعلم أنك وضعت نفسك أمام معركة غير متكافئة، وربما حكمت على مشروعك بالتعثر قبل أن يرى النور.

فأول علامات هذا التعثر التردد والخوف من الخطأ، بل الخوف من احتمال وجود الخطأ قبل اكتشافه. ثم يأتي التكرار وإعادة الخطوات مرارًا وتكرارًا بحجة الوصول إلى الصيغة المثالية، فنقع في أخطاء جديدة ونحن نحاول إصلاح أخطاء قد لا تكون موجودة أصلًا.

والمفارقة أن صاحب المشروع قد يتحول إلى خصم لعمله، فهو المنتج والناقد، والبائع والمشتري، والحاكم والجلاد،  لا يمنح نفسه فرصة للإنجاز قبل أن يطالبها بالكمال، ولا يسمح لعمله بأن ينمو ويتطور بصورة طبيعية، بل يضعه تحت مجهر لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أخضعها للتحليل والتفسير والبيان  والمراجعة.

وهنا تكمن المصيدة الحقيقية، أن يتحول الحرص على الجودة إلى هوس، وأن يصبح الإتقان ذريعة للتأجيل، وأن نفقد متعة الإنجاز في سبيل مطاردة صورة مثالية لا وجود لها إلا في مخيلتنا.

ولعل تجربتي مع كتابة الرواية خير شاهد على ذلك.
بدأت كتابة روايتي قبل نحو خمس سنوات، ومنذ قرابة ثلاث سنوات انتهيت من  كتابة  أخر فصولها وإتمام أحداثها.
لتظل أوراقًا خرساء .

طبعاً التردد في خوض هذا النوع من الكتابة ما زال يراودني، لميلي الشديد إلى الكتابة التاملية.

فحين انتهيت منها، كان يفترض أن أشعر بمتعة الإنجاز، ووصولي إلى نهاية رحلة طويلة، لكنني وجدت نفسي أمام رحلة أخرى، أكثر استنزافًا وأشد تعقيدًا، رحلة البحث عن الكمال.

قرأت الرواية لا كاتبة، بل قارئة تتربص بالنص وتبحث عن عثراته.

في القراءة الأولى انشغلت بتصيد الأخطاء، وتبديل الكلمات، واستبدال الجمل بأخرى، وإعادة صياغة الحوارات، وتغيير الأماكن والأسماء.

كلما وجدت تعبيرًا لم يعجبني استبدلته، وكلما مررت بجملة شعرت أن هناك ما هو أفضل منها. كنت أعتقد أن البديل أكثر ملاءمة، وأن الصياغة الجديدة أكثر إحكامًا من سابقتها.

لكنني لم أتوقف لأسأل نفسي، هل أصبح النص أفضل فعلًا، أم أنني فقط لم أعد أحتمل رؤية النص كما هو؟

ثم جاءت القراءة الثانية، وكانت قراءة عاطفية بامتياز.

وجدتني أنجذب إلى الطرف الأضعف، أتعاطف معه، وأبحث له عن الأعذار والمبررات، وفي المقابل أتحامل على الشخصيات القوية أو الشريرة، وأحاكمها وفق مشاعري وموقفي منها، لم أعد أقرأ الشخصيات كما رسمتها، بل كما أريد لها أن تكون، وكأنني أحاول إعادة محاكمة أحداث الرواية وتوزيع البراءة والإدانة من جديد. 

وهنا أدركت أن المشكلة لم تعد في الكلمات أو الجمل أو البناء الدرامي وحده، بل في علاقتي بالنص نفسه.

فالكاتب حين يظل أسير شخصياته، قد يفقد حياده، وحين يقرأ عمله بعين الناقد وحدها قد يفقد عفويته، وحين يقرأه بعاطفته وحدها قد يفقد عدالته، لذلك مازلت مختلفة مع بطلة الرواية وفي حالة خصام معها أعطيتها مساحة للتمرد على الواقع الذي تعيشها وترفضه، في المقابل واجهت النقد من المجتمع والمحيط المقرب ، لأعيش  صراح بين المواجهة والتبرير، وكأنني عشت دور ليس لي ، هذا هو الحال مع كل شخصية ، لأصاب بلعنة التغيير، وتحسين الوجوة وتجميلها لتصبح مقبولة.

وبين هذه الأدوار المتضاربة تضيع البوصلة، فلا يعود يعرف متى يتدخل ومتى يترك النص يتنفس.

وهنا سألت نفسي ، أليس من حق العمل أن يحتفظ بشيء من عيوبه؟ أليس من الطبيعي أن تكون هناك جملة أقل جمالًا، أو مشهد أقل إحكامًا، أو شخصية لا تحظى بإعجاب الجميع؟

إن العمل الإبداعي كائن يحمل روح صاحبه، وفيه من التجربة الإنسانية ما يجعله قابلًا للاختلاف والتأويل والنقد.

ليس معنى ذلك أن نتسامح مع الأخطاء أو نتخلى عن الإتقان، وإنما أن نعرف متى يكون التصحيح ضرورة، ومتى يصبح عبثًا، ومتى يكون التعديل إضافة حقيقية، ومتى يكون مجرد استجابة لقلق داخلي لا يشبع.

ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نترك أعمالنا وشأنها، وأن نمنحها فرصة للخروج من قبضتنا، وأن نتقبل أنها لن تكون الصورة المثالية التي تخيلناها.

فليس كل نقص يستوجب الإصلاح، وليس كل تعديل تحسينًا، وليس كل تردد دليلًا على الحرص.

لقد تعلمت من هذه التجربة أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تسعى إلى الأفضل وأن تعجز عن قبول ما أنجزته، وبين أن تكون ناقدًا لعملك وأن تتحول إلى جلاد له.

فنحن لم نُخلق للكمال، ولم تُخلق أعمالنا لتكون كاملة. نحن خُلقنا لنجرب، ونخطئ، ونتعلم، وننجز، ثم نمضي.

أما الكمال المطلق، فربما كان أجمل ما فيه أنه يظل غاية نتطلع إليها، لا محطة نصل إليها.

المشكلة ليست أن نفتقد الكمال، بل أن نفقد الطريق ونحن نطارده.


error: المحتوي محمي