مساء أمس، حاولت أن أغفو. كان جفني مثقلاً بالإجهاد، بعد ارتباطاتٍ موجعة بفقد أعزاء، وكانت عيناي تطاردهما أفكارٌ خيالية، كأن شيئاً خفياً يعبث بأفكاري، ولا يهدأ لي بال، إلا إذا غفوت ولو لحظاتٍ، أستعيد فيها سكينتي.
رأسي لا يريد أن ينحني لأفكارٍ تنهكه.
علمتني الحياة أن أنزوي، وأن أبقى وحدي بحريتي، بغية الاسترخاء، والتقاط أنفاسي.
فكان ملاذي مكتبتي، تلك الغنية الهادئة، المزدحمة بكتبٍ وأوسمةٍ ودروع، تتزاحم وتتضارب أكثرها ببعض، ولكن بانسجامٍ غير مسبوق، كأنها أرواحٌ متفاهمة رغم اختلافها.
كنت أطوف حولها على غير موعدٍ مألوف، دون تأشيرة، منتظرة الإشارة الخضراء لأي ركنٍ أقف عنده، كمسافرةٍ تبحث عن وطنٍ صغيرٍ بين الرفوف.
صعبٌ إرضاء ذائقتي الذهنية، ولكني معتزة بها، وهي التي تلفّ شغفي بما تحتوي من ألقٍ وتألق.
ها هي الابتسامة تعتلي تقاسيم وجهي، حيث اخترت كتاباً عند المساء، وبيدي كوبٌ من القهوة أرتشفه بمزاجٍ خاص، وفي داخلي أمنيةٌ خاصة، تشبه دعاءً هادئاً لا يسمعه أحد.
كنت أقرأ الكتاب الأدبي، وعنوانه: قبلة على جبين الضوء، إهداء من الشاعرة المتمكنة، صديقة العمر منذ الطفولة، نازك الخنيزي، وترافقني ذكرياتٌ خاصة أيضاً، وتساؤلاتٌ بين السطور التي استهوتني طقوس كتاباتها.
وأنا أقرأ الكتاب، ما كان يجدر بي أن أتجاوز الخيال بين السطور، حيث بدأت أسترخي، ولكن!
كيف نعثر على المعنى الحقيقي للبقاء باسترخاءٍ مع الذات؟ وما الذي يمكننا فعله لنعيش حياةً أكثر انسجاماً مع ذواتنا وغايتنا الأسمى؟
انسجاماً مع رؤى روحية تأملية، وممارساتٍ يومية بسيطة في الحياة، هنا أيها القارئ ستكتشف كيف تتوقف عن البحث عن السعادة خارج ذاتك، وتبدأ في تنمية شعورٍ أعمق بالرضا، ينبع من داخلك، كينبوعٍ هادئٍ لا ينضب.
وفي هذه الرحلة المتفردة بالبقاء مع ذاتك، ستتعلم كيفية التعامل مع تحديات الحياة بمرونةٍ أكبر، وإعادة التواصل مع من يمنحك البهجة، وبناء حياةٍ أكثر معنى. حياة تشعر حقاً بأنها تنتمي إليك وحدك، هذا يمثل بالمعنى وبالأمل أكسجيناً للروح.
من الطريف أن البعض يتصور حياته شيئاً يقضي وقتاً طويلاً في محاولة تجنبه، رغم أن ذلك يبدو أمراً مستحيلاً.
فوجودنا يتشكل من كل ما نقوم به، بدءاً من ارتشاف كوبٍ من القهوة، وتناول الطعام، والتواصل مع من نحب على نحوٍ استثنائي، وغير ذلك، وصولاً إلى الكثير من المهام الروتينية التي تشغلنا، وتصرف انتباهنا عن النظر إلى ذواتنا.
إن خوض غمار الحياة من الداخل، يعني تخصيص وقتٍ يومي للانفراد بالنفس، في هدوءٍ وسكونٍ واسترخاء، والجلوس في رحاب أرواحنا.
ولعل الكثيرين منا فقدوا اعتياد هذا الأمر، فقد أصبح مجرد الحصول على لحظةٍ منفردة، وخلوةٍ مع الذات، يثير لدى البعض شعوراً بالارتباك والحرج الذاتي، ونتيجة لذلك، ربما يتوقف البعض منا عن محاولة تخصيص ذلك الوقت، الذي يتيح لنا الجلوس في قلب حياتنا.
قد يكون الجلوس مع الذات أمراً غير مريحٍ لدى البعض.
ففي تلك اللحظات، غالباً ما يتردد بداخلنا صوتٌ يتساءل عن نمط حياتنا، أو عن بعض الخيارات التي نتخذها. وأحياناً، يذكرنا هذا الصوت بتطلعاتنا الدفينة، وبأحلامٍ ظننا أننا نسيناها، فإذا بها كانت تنتظرنا في صمت.
وفي ظل انشغالنا الدائم، وضغوط وطقوس حياتنا المزدحمة، قد تبدو فكرة الاستماع إلى هذا الصوت الداخلي أمراً مرهقاً ومستنزفاً.
ومع ذلك، فإن ما يطرحه هذا الصوت يمثل الروابط التي تصلنا بذواتنا الحقيقية، وهي في جوهرها ما يمنح حياتنا قيمتها ومعناها.
لذا، فإن استمرارنا في تجنب التواصل مع ذواتنا، يجعلنا نخاطر بفقدان الغاية الحقيقية من وجودنا.
للبدء في عيش حياتك بمزيدٍ من الحضور والوعي، يمكنك تخصيص بضع دقائق يومياً على أقل تقدير للجلوس مع ذاتك فحسب، رغم أنني أبقى يومياً عند المساء ساعاتٍ طويلة مع نفسي، كأن المساء موعدي الأصدق معي.
لا يعني هذا مشاهدة فيلمٍ أو قراءة كتاب، بل تخصيص وقتٍ يومي لمراجعة ذاتي، ومواجهة ما قد تميل إلى تجنبه، لتكون حاضراً مع نفسك بانفتاحٍ وارتياح.
ومع مرور الوقت، قد تجد متعةً متزايدة في هذا الجزء من يومك، مما يدفعك إلى تقليل المهام الثانوية وغير الضرورية، لتتمكن من قضاء وقتٍ أطول في قلب حياتك الخاصة، بدلاً من البقاء على الهامش، ككوكبٍ يدور حول الشمس.
من المهم أن نخصص وقتاً هادئاً كل يوم، لنكون بمفردنا وفي سكونٍ تام، في حضرة أرواحنا.
إن اكتساب فهمٍ أفضل لكيف تكوّنتَ على ما أنت عليه اليوم، قد تكون رحلةً مدهشة لاكتشاف الذات.
فمن خلال استرجاع تجاربك الماضية، سواء كانت إيجابية أو سلبية، بوعيٍ وتأمل، ستتوصل إلى فهمٍ أعمق، وتبدأ في عيش الحياة الأصيلة التي تطمح إليها حقاً.
ومن خلال استكشاف تجاربك وحكمتك الداخلية، ستتمكن أخيراً من الإجابة عن السؤال، بصدقٍ ونباهة:
من أنتَ؟



